فيلم Watcher (2022) ليس مجرد فيلم إثارة تقليدي؛ إنه تجسيد سينمائي لـ "البارانويا المحقة".
الفيلم يلمس وتراً حساساً يتعلق بظاهرة Gaslighting (التلاعب بالعقول) الجماعي، حيث يُترك الفرد وحيداً في مواجهة نظام كامل يصر على أن "ما تراه ليس حقيقياً".
في رومانيا، لم يكن الخوف من "المراقب" مجرد حالة نفسية، بل كان سياسة دولة ممنهجة في عهد نيكولاي تشاوشيسكو. إليكم تفكيك لتلك الحقبة وكيف تتقاطع مع ما سيشعركم به هذا الفيلم الأيقوني.
حقبة تشاوشيسكو: عندما يصبح الوطن زنزانة زجاجية
تحت حكم تشاوشيسكو (1965-1989)، تحولت رومانيا إلى واحدة من أكثر الدول قمعاً في الكتلة الشرقية. لم يكن الهدف مجرد معاقبة المعارضين، بل سحق الفردية وصهر الجميع في "القطيع" المطيع.
1. جهاز الـ "Securitate": عين لا تنام
كان جهاز أمن الدولة الروماني يمتلك شبكة مخبرين مرعبة. تشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل أربعة أشخاص كان مخبراً.
- الملاحقة الخفية (Gang Stalking): لم يكن الأمر دائماً اعتقالاً مباشراً. كانوا يمارسون "التحرش المنظم"؛ الدخول إلى منزلك وتغيير أماكن الأثاث، العبث ببريدك، أو الوقوف تحت نافذتك لساعات دون فعل شيء. الهدف؟ أن تفقد عقلك وتشك في حواسك، تماماً كما حدث مع بطلة الفيلم.
2. تحطيم الخصوصية (نظام التصنت الشامل)
في عهد تشاوشيسكو، كانت الميكروفونات تُزرع في كل مكان: الجدران، الهواتف، وحتى داخل المصابيح.
- كان الفرد يشعر أنه "مُراقب" (Watcher) حتى وهو وحيد في غرفته. هذا الشعور بالدونية يأتي من كونك "موضوعاً للدراسة" أو "هدفاً للمراقبة" ولست إنساناً ذا سيادة.
أساليب التحكم: إشعار الفرد بالصغر
اعتمد النظام الشمولي على استراتيجيات "خلاقة" لتحطيم الروح المعنوية:
- عسكرة الحياة اليومية: الطوابير الطويلة من أجل الخبز، تقنين الكهرباء، والبرد القارس في الشتاء (حيث كان تشاوشيسكو يرفض تدفئة المنازل لتوفير الطاقة). هذه الظروف تجعل الإنسان يفكر فقط في بقائه البيولوجي، مما يجعله يشعر بالصغر والعجز أمام عظمة "القائد".
- الخروج عن النص: أي شخص يحاول التعبير عن جمال، فن، أو استقلال شخصي كان يُعامل كخطر. "القطيع" في رومانيا كان مجبراً على التبرير لأن البديل هو أن يصبحوا هم الضحية التالية.
لماذا لم تكن الفتاة "تتخيل"؟
في الفيلم، الكل يخبر "جوليا" بأنها تعاني من الفراغ أو الصدمة الثقافية. في الأنظمة الاستبدادية، يُستخدم هذا الأسلوب تماماً:
1. الوصم بالجنون: إذا كشفت الملاحقة، فأنت "مريض بارانويا".
2. الملاحق الجماعي: كما ذكرتِ، الملاحق في الفيلم قد يبدو مختلاً، لكنه في الحقيقة يمثل "النظام" أو "العين الجماعية" التي ترفض الغريب. في رومانيا، لم يكن الملاحق شخصاً واحداً، بل كان الجار، الحلاق، والزميل في العمل.
3. تبرير القطيع: المجتمع يميل دائماً لجانب "الاستقرار". التصديق بأن هناك ملاحقاً يعني الاعتراف بأن البيئة غير آمنة، وهو اعتراف مخيف، لذا يفضل القطيع لوم الضحية (Victim Blaming) ليبقى هو في منطقة الأمان الزائفة.
الفيلم كمرآة للتاريخ
فيلم Watcher صُوّر في بوخارست، وهذا ليس عبثاً. العمارة الضخمة الباردة التي خلفها تشاوشيسكو (مثل قصر الشعب) تجعل الفرد يبدو ضئيلاً جداً أمام جبروت الإسمنت.
"في الأنظمة الشمولية، الملاحقة ليست ناتجة عن خلل في الملاحِق فقط، بل هي وظيفة يؤديها نيابة عن نظام يخشى أي شخص يجرؤ على النظر من النافذة برؤية خاصة."
ربما كتابة هذه الكلمات هي "الخروج من النص" الخاص بي لتجاوز الفيلم.. فالحقيقة أن بطلة الفيلم في النهاية لم تكن مجنونة، والتاريخ أثبت أن الشعب الروماني أيضاً لم يكن يتخيل القمع؛ لقد كان حقيقياً لدرجة الخنق.


