في عالمٍ تزدحم فيه هواتفنا بمئات الأصدقاء الافتراضيين، وتضجُّ إشعاراتنا بآلاف اللايكات والقلوب الحمراء، يبرز تساؤلٌ صامت ومرير: لماذا نشعر بكل هذا الاغتراب؟
لقد تصدرت مؤخراً تريندات عالمية مثل Cuddle Therapy و How to Hug، ولم تكن مجرد صرعة عابرة، بل هي صرخة استغاثة بيولوجية. نحن جيلٌ يعاني من جوعٍ لمسي (Skin Hunger)؛ جوعٌ لا تُشبعه الرموز التعبيرية ولا المكالمات المرئية.
إن بحثنا المحموم عن كيفية العناق أو العلاج بالضم هو اعترافٌ ضمني بأننا فقدنا بوصلة التواصل الفطري، وأننا بتنا نحتاج لـ كتالوج يعيدنا إلى أبسط احتياجاتنا الإنسانية: الشعور بالأمان في حضرة الآخر.
في هذا المقال، سنغوص خلف الكواليس لنفهم لماذا أصبح العناق دواءً، وكيف يمكن للدعم المعنوي أن يرمم ما أفسدته ضغوط الحياة.
كيمياء الاحتواء: ماذا يحدث في أجسادنا عندما نتعانق؟
يُحفز العناق الجهاز العصبي، مُطلقًا الأوكسيتوسين - الذي يُعزز الثقة والترابط - والدوبامين، الذي يُجلب مشاعر السعادة والرضا.
والعتاق يُقلل من مستويات الكورتيزول، وهو الهرمون الرئيسي المسؤول عن التوتر، ويُمكن أن يُحسّن جودة النوم.
هرمون الأوكسيتوسين: المادة السحرية التي تُرمم انكسارات الروح
الأوكسيتوسين، المعروف باسم "هرمون الحب"، هو ناقل عصبي وهرمون يعزز الترابط الاجتماعي والثقة والتعاطف، بينما يقلل من التوتر والقلق وضغط الدم. كما أنه يُسهّل الولادة عن طريق تحفيز انقباضات الرحم، ويساعد في الرضاعة الطبيعية. بالإضافة إلى ذلك، يُحسّن النوم، ويعزز المناعة، ويدعم الاستقرار العاطفي.
قاعدة الـ 20 ثانية: لماذا يحتاج القلب وقتاً ليفهم لغة الأمان؟
يُعتقد أن العناق لمدة 20 ثانية هو المدة المثلى لتحفيز إفراز كمية كبيرة من الأوكسيتوسين، وهو هرمون السعادة، الذي يُخفف التوتر، ويُخفض ضغط الدم، ويُعزز الترابط. هذه اللمسة الحنونة والمستمرة تُرسل إشارات إلى الجهاز العصبي للاسترخاء، مما يُعزز الثقة والأمان والراحة النفسية.
صيام اللمس: كيف تؤثر الوحدة الجسدية على صحتنا العقلية؟
يؤدي عدم ممارسة العناق أو اللمس الجسدي المنتظم إلى "الحرمان من اللمس"، مما يسبب زيادة في التوتر والقلق والاكتئاب نتيجة ارتفاع مستويات الكورتيزول.
وعلى الصعيد الجسدي، يؤدي هذا الحرمان إلى زيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم، وإضعاف جهاز المناعة، واضطراب النوم.
كما أن نقص اللمس يقلل من هرمون الأوكسيتوسين، وهو "هرمون الترابط" الذي ينظم المشاعر ويخفف التوتر.
من الشاشة إلى الشارع: هل نسينا كيف نتواصل كبشر؟
تشير الأدلة إلى أن التواصل البشري يتغير بطرق قد تؤدي إلى تراجع "الإنسانية" والتي يتم تعريفها بأنها التعاطف، والرقة، والتواصل العميق - في التفاعلات اليومية.
فبينما تُحسّن التكنولوجيا كفاءة التواصل، إلا أنها غالبًا ما تفشل في تحقيق التواصل الفعال، مما يؤدي إلى تحول من التفاعل المباشر الغني عاطفيًا إلى تبادلات رقمية سطحية.
Cuddle Therapy: حين يصبح 'الحضن' مهنة في عالمٍ موحش
العلاج بالعناق هو شكل منظم وغير جنسي تمامًا، ويعتمد على التراضي، من العلاج باللمس، وهو مصمم لتقليل التوتر والقلق والشعور بالعزلة.
غالبًا ما تتضمن الجلسات العناق ومسك الأيدي والتقارب الجسدي لتحفيز إفراز هرمون الأوكسيتوسين، الذي يخفض مستوى الكورتيزول ويعزز الاسترخاء. يلجأ إليه عادةً الأشخاص الذين يعانون من الحرمان من اللمس أو يحتاجون إلى دعم في صحتهم النفسية.
دليل العناق الآمن: كيف نعبر عن الدعم دون كسر الحواجز الشخصية؟
يعتمد العلاج بالعناق، أو العلاج باللمس غير الجنسي الذي يُقدّمه المختصون، على حدود صارمة مُتفق عليها مُسبقًا وموافقة مُستمرة لتوفير مساحة آمنة للتخفيف من الألم النفسي والجسدي.
ولإظهار الدعم دون تجاوز الحدود الشخصية، ينبغي على المُمارسين والمُتلقّين على حدٍ سواء التأكيد على التواصل المفتوح، وتحديد المناطق المحظورة بوضوح، واستخدام تقنيات لمس مُنظّمة وغير جنسية.
لماذا يبحث الجيل 'الرقمي' عن الدعم المعنوي في محركات البحث؟
يتزايد لجوء الناس إلى محركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على الدعم النفسي، لأن هذه المنصات توفر مساحات فورية ومجهولة الهوية وخالية من الأحكام المسبقة لإدارة مشاعرهم وفهمها والتعبير عنها.
وقد ازداد هذا السلوك، لا سيما بين الأجيال الشابة (جيل زد وجيل الألفية)، نتيجة لزيادة الوعي بالصحة النفسية، والوصمة الاجتماعية المحيطة بالعلاج النفسي التقليدي، وتفضيل الاعتماد على الذات.
فن الاستماع الصامت: كيف تكون سنداً دون أن تنطق بكلمة؟
دعم الآخر دون كلمات يعني التواجد بالقرب منه، وتقديم المساعدة العملية، واستخدام لغة الجسد لإظهار الاهتمام والتعاطف. عندما يمرّ شخص ما بظروف صعبة، قد يشعر بالعجز أو عدم القدرة على التحدث، مما يجعل الدعم الصامت والعملي أكثر فعالية من الكلام المعسول.
الخاتمة: كن أنت الملاذ
في نهاية المطاف، لن تذكرنا الحياة بعدد الساعات التي قضيناها خلف الشاشات، بل بتلك اللحظات التي كنا فيها ملاذاً لشخصٍ ضاقت به الأرض. إن الدعم المعنوي ليس مجرد تريند نلحق به، بل هو فنُّ استعادة إنسانيتنا.
قد لا تملك كل الإجابات، وقد لا تسعفك الكلمات لترميم حزن صديق أو قريب، لكن تذكر دائماً أن حضورك هو الكلمة الأقوى، وأن عناقاً صادقاً يتجاوز العشرين ثانية كفيلٌ بأن يُعيد ترتيب الفوضى داخل قلبِ أحدهم.
لا تنتظر أن يسألك الناس كيف حالك؟ لتقدم الدعم، بل بادر بأن تكون أنت تلك المساحة الآمنة التي يهرب إليها المتعبون.
ففي عالمٍ يركض نحو الآلة، وحدها اللمسة الحانية هي ما يثبت أننا ما زلنا على قيد الحياة.. وما زلنا بشراً.


