الخميس، 25 فبراير 2021

معايير الرجولة والشرف والنخوة في عربستان


 

استحق مقدم البرامج تامر أمين في الأيام الماضية لقب "عدو الشعب رقم 1" دون منازع، فعلى الرغم من أنه لم يتحدث إلا في سياق السياسات المرسومة له، والتي كانت تتجه نحو دعم مشروع الرئيس في تحديد النسل، إلا أنه قد مسّ وترًا حساسًا لدى أهل الجنوب، الذين يعانون من كافة صنوف التهميش والإهمال، كحال الكثير من أبناء هذا الشعب الذي لا يعرف إلا لغة العواطف.

وما لفت نظري في كلمات السادة الرجال من أهل الصعيد أن ردودهم عليه جائت كلها في نفس  السياق وحملت كلها عبارات من قبيل "نحن لا نترك نسائنا تخرج بدون غطاء رأس" أو "بناتنا لسن خادمات" مع كيل السباب للمذيع المذكور وكل من يمت له بصلة.

فلقد تلخصت معاني الرجولة والشهامة والشرف لدى أغلب أبناء الوطن العربي في تغطية النساء، وفرض أوامرهم عليهن، وإلزامهن بالطاعة، فلم تأتي الردود لتناقش أسباب عمالة الأطفال في الصعيد، ولا أسباب الفقر وارتفاع معدلات الأمية، ولا الإهمال الصحي، ولا البطالة وضعف التنمية، ولكن كانت كل  الردود عاطفية ما جعل من تامرأمين مجرد أسفنجة تمتص جزءمن الغضب الشعبي الذي يعتمل في نفوس هؤلاء، وكبش فداء لكل التقصير والإهمال الذي يعانيه أبناء الصعيد.

فكما يقول توفيق الحكيم: "لقد تكونت في العقلية المصرية عاهة أرجو أن لا تكون مستديمة: هي ضمور عضلة التفكير و التحليل وحل محلها عضلة لا تشعر إلا بالحب أو الكره، ولا تري غير لونين "الأبيض والأسود". وبذلك ظهر نتيجة الشعور الواحد الانفعالي بالحب والكره موقف التعصب ثم الإرهاب والعنف. وهنا خطر غياب المناقشة والتفكير والتحليل. وهو ما يقتضي طهور الحرية الحقيقية. وبمعني آخر إرساء قوعد "الديموقراطية الصحيحة" و ليست المفتعلة أو المزيفة أو الناقصة، أو التي تستخدم لأغراض دعائية ومظهرية. الحل هو ديموقراطية حقيقية,،تُطلب لمزاياها وأهمها الآن هو قدرتها علي إبعاد الخطر المنتظر المتمثل في التعصب الأعمي والتجمد الفكري الذي يصاحبه الانفعال المؤدي إلي العنف والإرهاب، ثم النتيجة بعد ذلك هي عودة الديكتاتورية الرجعية."

وليست باقي دول عربستان بأحسن حالًا، وعلى سبيل المثال كنت أتابع برنامج "بكسر  التاء" على قناة الجزيرة، وهو بالمناسبة برنامجًا متميزًا، ولكن في أحدث حلقاته لم أستطيع متابعة الحلقة، فقد شعرت بالغضب الشديد مما سمعت.

لقد كانت الضيفات من الناشطات في المجال السياسي والمجال الحقوقي، ممن تعرّضن للتنكيل والسجن بسبب هذا النشاط المشرّف، ولكنهن بعد عودتهن إلى ديارهن عانين من اضطهاد آخر، فقد نظر إليهن المجتمع على أنهن تعرّضن للاغتصاب أو التحرش، ما أيقظ فيهم الحمية للشرف وحرّض لديهم الرجولة الزائفة التي لا تعرف إلا لوم الضحية، والخضوع للظلم، والتنكيل بأصحاب الحق.

ولا أعلم إلى ماذا يرتكز هؤلاء فحتى الكفر لا يعتد به إذا ما جاء تحت الضغط والإرهاب الجسدي والنفسي، ونبي الإسلام يقول: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه."

ولكن الرجل في عربستان يستضعف النساء فيعاقبهن على وقوعهن ضحايا للظلم والإجرام والإكراه، ولا يدافع عنهن أو يحاول رفع الظلم عنهن.

الرجل في عربستان يقبل أن تنفق عليه وعلى أبناءه زوجته، ولكنه يكره أن يذكّره أحد بذلك أو يتحدث بشأنه. الرجل في عربستان عبد للظالم والفاجر عاجزّا عن رد حقوقه الذاتية - فما بالك باسترداد حقوق الغير - فلا يجد أمامه سوى من هن أضعف منه لتفريغ طاقته المكبوتة من القهر، فهذا وحده هو ما يشعره بالقوة والتحكم، وما يعتمد عليه لإظهار الرجولة والشرف.

إن معاني الرجولة والشرف والشهامة في عربستان مشوشة ومشوهة بدرجة يحتاجون فيها إلى تعليم وتثقيف وتأهيل، وحتى يدركوا أبسط المعاني الإنسانية السوية لهذه الصفات، ويدركون السلوك الحقيقي الذي يتوافق مع هذه الكلمات. فإلى متى يارب هذا القهر!

 

 

الثلاثاء، 9 فبراير 2021

التعذيب السيبراني .. جريمة العصر المسكوت عنها والوسيلة الأكثر فاعلية في القضاء على اليساريين والحقوقيين

 



إن الكثير من مخترعات العصر الحديث التي تساعد النظام العالمي على التحكّم في الشعوب يتم التعتيم عليها حتى يتم الاستفادة منها أقصى درجات الاستفادة، قبل أن تنكشف إلى العلن، وتصبح حقيقة معروفة للجميع.

وما لم يخرج أحد المعنيين بهذه المخترعات والتقنيات ويتحدث عنها علنًا، ستظل تعمل سرًا في دهاليز مراكز الاستخبرات الدولية، وحتى من يعاني بسبب هذه التقنيات فيمكن ببساطة وصمه بالجنون أو التخلص منه إذا ما تحدث عنها.

التجسس الجماعي

وعلى سبيل المثال تعرض إدوارد سنودن المواطن الأمريكي المخلص، الذي خدم بجيش بلاده، وعمل بجهاز الاستخبارات لأقصى درجات الاضطهاد نتيجة كشفه لتقنيات التجسس الجماعي التي يستخدمها رجال المخابرات فيعبثون بحياة أي شخص مستغلين ما لديهم من إمكانيات وتمويل وقوة بشرية ونفوذ ضخم، لا يكن لأحد إلا أن يرضخ أمامه.

تلقيح السحب

مثال أخر لهذه التقنيات، تقنية تلقيح السحب، حيث تقوم الطائرات بنشر ثاني أكسيد الكربون المجمد على ارتفاع معين للتحكم في سقوط الأمطار، وحتى وقت قريب كان من يتحدث عن هذه التقنية يصنف كمريض بالبارانويا، ولكن أظهرت المفاجئة أن هذا السلاح مسجل منذ أربعينيات القرن الماضي لدى الجيش الأمريكي، وأن الصين استخدمته سلميًا من أجل منع الأمطار من السقوط في مناطق إقامة الألعاب الأوليمبية.

التعذيب السيبراني

منذ عقدين من الزمن بدأ عشرات ومئات الآلاف من الأمريكيين والبريطانيين من الذين يعتنقون أفكار اشتراكية، أو المعنيين بحقوق الإنسان، أو ممن كشفوا عن قضايا فساد، يشتكون من تعرضهم لمراقبة مستمرة لصيقة من أشخاص مجهولين، ولقد أصبحوا يطلقون على أنفسهم إسم "الشخص المستهدف" وعلى هذه العملية إسم "التتبع الجماعي المنظم، والترهيب الإلكتروني". وهؤلاء جميعّا يتعرضون للتالي:

أفعال غير منطقية:

-        مثل إحداث ضوضاء مستمرة غير معقولة ولا منطقية حولهم باستمرار، وعلى سبيل المثال: يتم تشطيب شقة صغيرة بواسطة عشرات العمال يحدثون ضجة كبيرة يوميًا لمدة أربعة سنوات متتالية!

-        وجود طرق متواصل وهرولة بقدم ثقيلة يوميًا في مساحة لا تتعدى مترين في الشقة العلوية، وطرق على غرف النوم ليلًا لسنوات متواصلة بدون حل، فإذا اتصلت بالشرطة ستقوم بعمل محضر تصالح، لأن الساكن سيتهمك بأي شئ في المقابل، أو سينكر أن الصوت قادم من عنده، أو لن يرد عليك على الإطلاق.

-        تكرار لحوارات قلتها من أشخاص أخرين، وتكرار أفعال بشكل مستمر وغير منطقي.

-        استفزازك والاشتباك معك من قبل أشخاص لا تربطك بهم اي صلة.

-        أقارب ومعارف يطلبون منك مساعدات مالية.

-        أطفال يصرخون على مدار الساعة بصوت لا يمكن أن يصدر من مصدر طبيعي.

-        صفق مستمر للأبواب في كل أوقات اليوم بطريقة مبالغ فيها وكأنهم متفرغون لهذا العمل.

-        أشخاص يتحدثون أمام باب منزلك بصوت عالي أو أمام الشرفة حتى ولو كنت في منطقة منعزلة.

-        أشخاص ينادون إسمك بصوت عالي أو أسماء المقربين منك كلما مررت بجوارهم، أو في منتصف الليل ينادون من الخارج.

     استنزافك ماديًا.

أعراض جسدية

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من هؤلاء من الأصحاء الذين لا يعانون من أي حالة مرضية، لا جسدية ولا عقلية فقد أجمعوا على أن ذلك مصحوبا ببعض الأعراض الجسدية التي تتوافق مع ما عاناه أفراد السفارة الأمريكية في كوبا والذين تعرضوا لتدفقات عالية من موجات كهرومغناطيسية فيما يعرف باسم "متلازمة هافانا" أهمها:

-        سقوط الأسنان من جذورها على الرغم من عدم إصابتهم لا بالسكري ولا بالضغط ولا بالتهابات اللثة ولا بمشاكل عظمية أو بتسوس.

-        نوبات قلبية مفاجئة.

-        صداع وعدم القدرة على التركيز.

-        تورم ونزف عند المفاصل.

-        الآم شديدة بالعيون وتعرضها لما يشبه الحرق.

-        ألم شديد بالمفاصل.

-        اضطرابات معوية، تتسبب في عزوف الضحية عن الطعام لأيام متوالية.

-        إضطرابات في النوم.

-        ارتفاع غير مبرر في درجة حرارة الجسم وانبعاث رائحة اشبه بحرق الكهرباء منه.

ومنذ عقد تقريبا بدأت مثل هذه الحالات تظهر في بلدان عربية مثل العراق والبحرين ومصر، وكل هؤلاء لا يجدون من يستمع إليهم أو يحاول فهم حقيقة ما يجري معهم، وحتى أن الصحفي Mike McPhate ذكر هؤلاء الأشخاص في مقاله المنشور بصحيفة نيويرك تايمز بتاريخ 10 يونيو 2016 تحت عنوان

" United States of Paranoia: They See Gangs of Stalker"

فهو قد بدأ صياغة مقاله بحكم مسبق لديه بأن هؤلاء يعانون من اضطرابًا عقليًا ولم يعطي لهم الفرصة لعرض قضيتهم والتعبير عن أنفسهم بحرية.

فهذه هي الطريقة المتبعة للتعتيم على هذه الجريمة التي تستخدم فيها تقنيات التتبع والتجسس وتقنيات التحكم العقلي الحديثة، وأسلحة الميكروويف، ولذلك يجد هؤلاء أنفسهم وقد تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب والانتهاك، دون أن يسمعهم أحد، أو يصدقهم أحد.

إن الجميع يدرك حجم التقدم الذي وصلت إليه هذه التقنيات وحتى أن شريحة إيلون ماسك يمكنها قراءة الأفكار وتسجيل الأحلام والذكريات واسترجاعها عندما تريد، واستخدمت تطبيقاتها العملية للأشخاص الذين يعانون من ضمور العضلات للتعبير عن أنفسهم من خلالها.

وهذه التقنيات تستخدم أيضا على نطاق واسع من قبل عملاق صناعة التكنولوجيا جوجل وعملاق شبكات التواصل الفيسبوك لأغراض تجارية.

هذه التقنيات تم عبرها رصد وتسجيل جريمة قتل خاشقجي وريجيني بالصوت والصورة والكل يدرك أنه أصبح بالإمكان تتبع أي شخص على وجه الأرض بسهولة ويسر، ولكن عند الحديث عن جريمة التعذيب السيبراني يخرس الجميع أو يتهمون الضحية بالجنونّ.

لقد أصبح هذا النوع من الأجهزة بمثابة تجارة واسعة تتم في الظلام، ولها أعداد ضخمة من الموظفين الذين يتفرغون لتعذيب الضحية وإقلاق راحته وتعذيبه يوميًا، دون أن يتمكن من إثبات جريمتهم، وهي وسيلة أمنة للتخلص من المعارضين والحقوقيين لا تترك خلفها آثرًا. فإلى متى ستظل هذه الجريمة البشعة تتم في الظلام؟