في المشهد السياسي والاجتماعي، كثيراً ما نصطدم بظاهرة "البلطجي
الواضح"؛ ذاك الذي يسرق وهو يعلم أننا نراه، ونحن نعرف أنه يسرق، وهو يدرك
تماماً أننا نعرف حقيقته.
ومع ذلك، يصر بوقاحة منقطعة النظير على ارتداء ثوب الفضيلة، مدعياً
أنه يحارب "الإرهاب"، أو "المخدرات"، أو حتى "العفاريت
الزرق".
لماذا يصر على هذا "الأداء الهزلي"؟ وهل الكذب الممنهج مجرد
أداة سياسية، أم أنه عملية تخريب حيوية تصيب دماغ الكاذب قبل ضحيته؟
أولاً: حجج المستبدين.. صناعة "العدو الوهمي"
تاريخياً، لم يواجه المستبدون أو المستعمرون شعوبهم بالحقيقة العارية ولكنهم
استخدموا حجج واهية لتبرير القمع مثل:
تمدين الهمج: استخدم
المستعمرون قديماً مقولة "عبء الرجل الأبيض"، مدعين أن استعمار الشعوب
هو "واجب أخلاقي" لتعليمهم الحضارة.
الضرورة الأمنية:
"أنا لا أقمعكم، بل أحميكم من
الإرهاب/ الفوضى/ العفاريت الزرق". هنا يتم خلق عدو وهمي ليكون المبرر
لوجود "المنقذ" المستبد.
الحق الإلهي أو التاريخي: تصوير المستبد لنفسه كقدر محتوم أو
كظل الله على الأرض، مما يجعل معارضته ليست مجرد رأي، بل "خطيئة".
هذا الإصرار على "الحق المشروع" يهدف إلى:
صناعة "الغطاء الأخلاقي" (Moral Cover)
الإنسان، بطبيعته، يجد صعوبة في التعايش مع صورة "الشرير
المحض" أمام مرآة نفسه. الادعاء بأن الفعل "حق مشروع" يوفر للبلطجي
مبرراً داخلياً يمنع انهياره النفسي، ويسمح لأتباعه (الذين يستفيدون منه) بأن
يجدوا ذريعة أخلاقية لدعمه أمام المجتمع.
استهداف
"الجمهور الرمادي"
البلطجي لا يوجه خطابه لك (أنت الذي تعرف الحقيقة)، بل يوجهه
للمترددين، أو الخائفين، أو أولئك الذين يبحثون عن أي قشة لتصديق أن الأمور ليست
بهذا السوء. هو يعلم أن الحقيقة واضحة، لكنه يريد خلق "ضجيج" يمنع
الإجماع الشعبي ضده.
"قوة
فرض الكذب" كأداة للسيطرة
إجبار الناس على سماع الكذب وهم يعرفون أنه كذب هو في حد ذاته نوع من
الإذلال وفرض السيطرة. عندما يجبرك "اللص" على سماع خطبة عن الأمانة، هو
يقول لك ضمنياً:
"أنا قوي لدرجة أنني أستطيع تزييف الواقع أمام
عينيك، ولا تملك إلا الاستماع".
تحويل الصراع من "حق وباطل" إلى "وجهات نظر"
باستخدام مصطلحات مثل (محاربة الإرهاب، الحفاظ على الأمن، العفاريت
الزرق)، هو ينقل المعركة من مربع (لص يسرق ضحية) إلى مربع (خلاف سياسي أو أمني).
هذا يفتح باباً لـ "التحليل" و"النقاش" و"التبرير"،
مما يميّع القضية الأساسية ويؤخر المحاسبة.
الاستهلاك القانوني والدولي
في عالم المؤسسات والمنظمات، الكلمة المسجلة لها وزن. هو يحتاج لتوثيق
"أسباب شرعية" لأفعاله ليتمكن من التعامل مع النظام الورقي والقانوني،
حتى لو كانت هذه الأسباب وهمية، فهي توفر مخرجاً "بيروقراطياً" لمن يريد
غض الطرف عن جرائمه.
ثانياً: مدرسة "جوبلز".. تكرار الكذب كبيئة بديلة
في إعلام النازية، صاغ جوزيف جوبلز مبدأه الشهير: "اكذب
حتى يصدقك الناس". لم يكن الهدف هو الإقناع فحسب، بل خلق
"ضجيج" يمنع الإنسان من سماع صوت عقله. عندما يتحول الكذب إلى
"أكسجين" وحيد في المجال العام، يصاب المجتمع بما نسميه في علم النفس
"العجز المتعلم"، حيث يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة
والخيال نتيجة التشبع بالزيف المكرر (Illusory Truth Effect).
ثالثاً: سيكولوجية الكاذب.. حين يبتلع الكذب صاحبه
من المنظور البيولوجي، الكذب ليس فعلاً "مجانيًا" للدماغ.
بصفتنا متخصصين في العلوم الطبية، ندرك أن الدماغ يبذل جهداً مضاعفاً لإخفاء
الحقيقة وتلفيق البديل. لكن مع التكرار، تحدث كوارث عصبية للكاذب نفسه:
1.
تأقلم
اللوزة الدماغية (Amygdala Adaptation): في
البداية، يشعر الكاذب بالخوف أو القلق، لكن مع تكرار الكذب، تتوقف اللوزة الدماغية
عن إرسال إشارات الندم. "البلطجي" لا يملك أعصاباً باردة بالفطرة، بل هو
شخص "ماتت" لديه صافرات الإنذار العصبية نتيجة التعود على الزيف.
2.
انهيار
المرونة المعرفية: الدماغ يميل لتوفير الطاقة. بدلاً من الحفاظ على
مسارين (الحقيقة المخفية والكذبة المعلنة)، يبدأ الدماغ بدمجهما. هنا، يفقد الكاذب
تدريجياً القدرة على استرجاع الحقيقة الأصلية.
3.
الخداع
الذاتي
(Self-Deception): لكي ينجو الكاذب من "التنافر المعرفي"
(الألم الناتج عن كونه لصاً يدعي الشرف)، يقوم دماغه بإعادة برمجة هويته. هو لا
"يمثل" الدور الآن، بل أصبح يصدق فعلياً أنه "المنقذ"؛ لأن
الحقيقة أصبحت مؤلمة لدرجة لا يستطيع جهازه العصبي تحملها.
رابعاً: الكذب كفعل "انتحار بيولوجي"
في نهاية المطاف، يتحول المستبد أو البلطجي إلى سجين داخل
"زنزانة ذهنية" صنعها بنفسه. هو لم يعد يكذب علينا فقط، بل أصبح عاجزاً
عن قراءة الواقع. هذا الانفصال التام عن الحقيقة هو ما يفسر لماذا يستمر هؤلاء في
غيهم حتى لحظة الانهيار التام؛ لقد تدمرت لديهم "البوصلة العصبية" التي
تميز بين الصواب والخطأ، وبين البقاء والهلاك.
خامساً: الكذب الممنهج وتأثيره على دماغ الضحايا
إن الدماغ البشري مصمم للبحث عن الأنماط والحقائق لضمان البقاء. لكن
التعرض المستمر للكذب (Gaslighting) يُحدث تغييراً في الوظائف الحيوية:
- إرهاق
القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex): هي
المسؤولة عن اتخاذ القرار والتمييز بين الخطأ والصواب. الكذب المتكرر
والمناقض للواقع يضع هذا الجزء في حالة "حمل زائد" (Overload)،
مما يؤدي مع الوقت إلى الاستسلام الذهني أو ما يعرف بـ "العجز المتعلم".
- تنشيط
اللوزة الدماغية (Amygdala): يعتمد
خطاب "العفاريت الزرق" على إثارة الخوف الدائم. هذا يبقي الدماغ في
حالة "الكر والفر" (Fight or Flight)،
مما يعطل التفكير المنطقي ويجعل الشعوب أكثر قابلية للانقياد تحت تأثير
هرمونات التوتر مثل الكورتيزول.
- تأثير
الحقيقة الوهمية (Illusory Truth Effect): أثبتت
الدراسات العصبية أن الدماغ يميل لتصديق المعلومة المكررة بغض النظر عن
صحتها، لأن التكرار يخلق "طلاقة معرفية" يفسرها الدماغ خطأً على
أنها صدق.
خاتمة المقال:
إن معركتنا مع "البلطجة" ليست معركة أفعال فحسب، بل هي
معركة على "الحقيقة".
عندما نصر على تسمية اللص "لصاً" والبلطجي
"بلطجياً"، فنحن لا نمارس النقد السياسي فقط، بل نحمي أدمغتنا وأرواحنا
من التآكل البيولوجي الذي يسببه القبول بالزيف.
الحقيقة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي ضرورة بيولوجية للبقاء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق