الاثنين، 19 يناير 2026

بين "إيمورتان جو" والزعيم الأيقونة: صناعة الإله في صحراء الفوضى

 


 

في عالم "ما بعد الكارثة" الذي صوره فيلم Mad Max: Fury Road، لا تكمن القوة في السلاح وحده، بل في القدرة على التحكم في "منابع الحياة" وصناعة صورة ذهنية لا تقهر. هذه الصورة ليست مجرد خيال سينمائي، بل هي تشريح دقيق لآلية صناعة الزعيم السياسي في العصور الحديثة، ولعل المقارنة بين شخصية "إيمورتان جو" وظاهرة دونالد ترامب تكشف لنا كيف تُبنى العبادة الجماهيرية على أنقاض الضعف البشري.

1. سيكولوجيا المحابس: "أنا مصدر الحياة"

يقف "إيمورتان جو" فوق صخرته الشاهقة، يمسك بمقابض المياه الضخمة، يفتحها كمنحة ويغلقها كعقاب. في تلك اللحظة، لا يرى الناس نظاماً هيدروليكياً، بل يرون "إلهاً" يمنح الحياة.

على المنوال نفسه، يتقن الزعيم الأيقونة توظيف "الموارد الحيوية" سياسياً. ترامب، على سبيل المثال، صوّر الاقتصاد، الوظائف، والحدود كمحابس يمسك بها وحده. هو يقنع الحشود أن بدونه سيعيشون "عطشاً" في صحراء التضخم أو الضياع الأمني، محولاً القضايا المعقدة إلى صراع بقاء غريزي، حيث هو الوحيد القادر على فتح صنبور الرفاهية.

2. القناع الدرامي: صناعة "الجسد الذي لا يقهر"

خلف الكواليس، "إيمورتان جو" هو رجل عجوز، يعاني من ندوب وجسد متهالك يحتاج لمضخات هواء وأطراف اصطناعية. لكن أمام الحشود، يرتدي درعاً بلاستيكياً عضلياً وبودرة بيضاء تخفي عيوبه، ليظهر كأيقونة خارقة.

هذا "العمل الجبار" لإخفاء الهشاشة هو جوهر كاريزما الزعيم. خلف صورة ترامب، نجد صناعة كاملة: من لون البشرة المميز وتصفيفة الشعر الثابتة إلى البدلات الواسعة التي تمنح هيبة ضخمة. إنها محاولة مستمرة لإخفاء "البشر" الذي يشيخ ويواجه الخصوم والقضايا، وتقديم "البطل" الذي لا يتعب ولا يهزم، لأن الحشود لا تحتمل رؤية ضعف مخلصها.

3. من السياسة إلى الـ "Cult": فخ الولاء المطلق

في الفيلم، يصرخ الـ "War Boys" بعبارة "Witness Me" (اشهد لي) وهم يضحون بحياتهم، ليس من أجل قضية، بل من أجل نظرة من "جو". لقد تحولت السياسة هنا إلى "عبادة شخصية" (Cult of Personality).

هذا التماهي العاطفي هو ما نجح ترامب في خلقه؛ فمؤيدوه لا يدعمون برنامجاً انتخابياً بقدر ما يمنحون ولاءهم لـ "الشخص". في هذه الحالة، يصبح الهجوم على الزعيم هجوماً شخصياً على أتباعه، وتتحول المعركة السياسية إلى "مقدس" يتجاوز المنطق، تماماً كما كان الانتحار في سبيل "جو" هو الطريق الوحيد لـ "الفالهالا" (الجنة المتخيلة) 

 


.

4. بيولوجيا التبعية: هوس "النسل النقي"

بصفتنا نرى العالم من منظار "مختبرات الوراثة"، نجد أن "إيمورتان جو" كان مسكوناً بهوس إنتاج "نسل نقي" (Perfect DNA) في عالم مشوه إشعاعياً. هذا الهوس البيولوجي يتقاطع مع خطاب ترامب المتكرر حول "الجينات الجيدة" والذكاء الموروث.

إنها محاولة لتأصيل القوة في العرق والسلالة، وكأن الزعيم ليس مجرد حاكم، بل هو ذروة تطورية يجب أن تستمر لإنقاذ السلالة من "التشوه" السياسي أو الاجتماعي.

 


 

المدرسة .. خط الإنتاج الأول للآلة البشرية"

"بينما ينشغل الكثيرون بتحليل كيف تُصاغ القوانين أو كيف تسيطر الخوارزميات على عقولنا، نغفل عن الحقيقة الأكثر رعباً: أن بذور الخنوع تُزرع في المدارس.

التعليم المنهجي الأساسي اليوم، في كثير من صوره، ليس سوى عملية 'هندسة وراثية سلوكية'. هو لا يُعلّم الطفل كيف يفكر، بل كيف 'يستجيب'. المناهج التي تعتمد على التلقين والإجابة النموذجية الواحدة هي التي تصنع لاحقاً هؤلاء 'الأتباع' الذين ينتظرون أوامر الزعيم (إيمورتان جو).

إننا نحول العقل البشري، الذي صممته الطبيعة ليكون فضولياً ومتمرداً، إلى 'قرص صلب' (Hard Drive) يخزن البيانات دون معالجتها. هذا التعليم هو 'المختبر الحقيقي' الذي يتم فيه عزل جينات الإبداع وتكثيف سلالات الطاعة، لنحصل في النهاية على مواطن هو في الحقيقة آلة بيولوجية، يؤدي وظيفته بإتقان، لكنه يفتقر لأهم ميزة بشرية: القدرة على قول (لماذا؟)."

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق