منذ فجر التاريخ، كان الإنسان المصري يعيش حالة من التناغم الكيميائي والبيولوجي مع بيئته. لم تكن العلاقة مع الأرض مجرد زراعة وحصاد، بل كانت دورة حياة متكاملة، ورثها الفلاح عن أجداده كعلمٍ فطري يسبق معامل الأبحاث الحديثة.
ولكن، في غضون عقود قليلة، حدث انقلاب درامي حول الغذاء من حق إنساني بسيط إلى رفاهية باهظة، تاركاً الأغلبية العظمى في فخ "أشباه الغذاء" الضارة.
الفلاح المصري: رائد الاستدامة الأول
قبل أن تظهر مصطلحات "الزراعة العضوية" و"الوقود الحيوي" في المؤتمرات الدولية، كان الفلاح المصري يطبقها في حقله بكل سلاسة. لقد ورث نظاماً عبقرياً في تدوير المخلفات؛ فالحيوان يتغذى على البرسيم والمراعي الطبيعية، وروثه يتحول إلى "سماد بلدي" يغذي التربة ويعيد إليها حيويتها.
حتى الطاقة كانت تُستمد من الطبيعة عبر "الوقود الحيوي" البسيط (كالمخلفات النباتية)، في دورة مغلقة لا تعرف الهدر ولا التلوث. كان يختار سلالات بذوره بعناية فائقة، متبعاً انتخاباً وراثياً طبيعياً يضمن استمرارية الجودة والمذاق والقيمة الغذائية، فكان طعامه دواءه، وصحته هي رأس ماله.
فخ "أشباه الأجبان": عندما أصبح الزيت دهناً
أبرز مظاهر هذا الانقلاب الغذائي يظهر بوضوح في صناعة الألبان. حتى وقت قريب، كانت "الأجبان نباتية الدهن" تُصنف ضمن منتجات "مصانع بير السلم" التي يخشاها الجميع. اليوم، وبفعل الجشع والاستسهال، تصدرت هذه المنتجات أرفف كبرى المتاجر تحت مسميات براقة.
من منظور كيميائي وحيوي، ما يتناوله الناس اليوم ليس جبناً، بل هو خليط من مساحيق الحليب والزيوت النباتية (غالباً زيت النخيل) التي يتم إقحامها قسراً في نسيج المنتج.
هذه الزيوت المشبعة والمتحولة تمثل عبئاً هائلاً على الجسم؛ فهي ترفع من مستويات الالتهاب داخل الأوعية الدموية، وتتداخل مع العمليات الاستقلالية (Metabolism)، مما يؤدي إلى خلل وظيفي لا تستطيع جيناتنا -التي اعتادت على الدهون الطبيعية لآلاف السنين- التعامل معه.
الغذاء بين ديمقراطية الزيف ورفاهية الحقيقة
لقد تحول المشهد إلى مفارقة حزينة؛ فالغذاء الطبيعي الذي كان متاحاً للفقير قبل الغني، أصبح اليوم "سلعة للنخبة" تُباع بأثمان خرافية في أقسام "الأورجانيك". وفي المقابل، تم إغراق الأسواق ببدائل رخيصة مليئة بالكيماويات، والمواد الحافظة، والدهون المهدرجة.
هذا التحول لم يأتِ من قلة الموارد، بل من منظومة عالمية تفضل الربح السريع على الصحة العامة. إن الاحتكار التجاري والاعتماد على بذور معدلة وراثياً تحتاج لكميات هائلة من الأسمدة الكيماوية والمبيدات، كسر الرابطة المقدسة بين الإنسان والتربة.
كلمة أخيرة.. عودة للجذور
إن استعادة التوازن تبدأ بوعينا بما نضع في أطباقنا. نحن بحاجة للعودة إلى فلسفة الفلاح القديم الذي كان يحترم قوانين الطبيعة. إن كشف زيف "أشباه الأغذية" ليس مجرد نصيحة صحية، بل هو معركة لاسترداد حقنا في غذاء حقيقي غير مشوه، يحفظ جيناتنا وصحة أجيالنا القادمة من التآكل تحت وطأة الجشع الصناعي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق