تعيش الأسرة في مجتمعنا المعاصر حالة من الفصام القيمي، حيث تتصادم نصوص القانون والشرع مع موروثات ذكورية متصلبة ترى في استقلال المرأة أو مطالبتها بحقوقها "خروجاً عن الطاعة" أو "قلة تربية".
إن ما نشهده اليوم من صراعات داخل أروقة محاكم الأسرة ليس مجرد خلافات زوجية، بل هو انعكاس لهوة سحيقة ومعايير مختلة تجعل من الطفل سلاحاً ومن النفقة منّة.
أولاً: كفر "رجل القانون" بالقانون
من المفارقات الصادمة أن نجد من يفترض بهم حماية العدالة هم أول من ينقلبون عليها. فالخلع والطلاق حقوق أقرتها الشريعة قبل القانون، واعتبار لجوء المرأة للقضاء "إهانة" للرجل هو خلل في التكوين النفسي.
حين يرفض قاضٍ أو رجل مثقف قرار المحكمة، فهو لا يعترض على إجراء إداري، بل يعترض على مبدأ "ندية المرأة" وحقها في تقرير مصيرها، وهو ما ينسف أسس الدولة المدنية والشرعية معاً.
ثانياً: الأبوة كأداة نكاية لا رعاية
تتجلى "الذكورية الهشة" في أوضح صورها بعد الانفصال؛ حيث يتحول الأب، الذي ربما كان غائباً معنوياً ومادياً أثناء الزواج، إلى "مناضل" من أجل رؤية أطفاله، لا حباً فيهم، بل نكاية في أمهم.
إن التهرب من النفقة، واعتبار المطالبة بحق الأطفال في العيش الكريم "جريمة" ترتكبها المرأة، يكشف عن تجرد من مقتضيات الرجولة الحقيقية. الأرقام لا تكذب، فمعظم الأطفال الذين يُستخدمون كدروع في حروب الطلاق ينتهي بهم الحال إلى شتات نفسي، لأن الأب يرى فيهم "أدوات ضغط" لا أرواحاً مسؤولاً عنها.
ثالثاً: سيف "التعليق" ووهْم التعدد
ما زال البعض يرفع سيف "سأترككِ معلقة" كتهديد وجودي للمرأة، وهي ممارسة لا تمت للدين بصلة، بل هي نوع من "الحقارة النفسية" التي تهدف لكسر إرادة الطرف الآخر.
يقابل ذلك استخدام رخصة التعدد ليس كحل اجتماعي، بل كـ "كرباج" لإذلال الزوجة الأولى.
رابعاً: في مديح القانون الجديد.. ضربة في قلب "العبث"
يأتي مشروع القانون الجديد كبصيص أمل لترميم هذا الخلل، خاصة في نقطتين جوهريتين:
1. اشتراط موافقة الزوجة (أو علمها الرسمي) بالزواج الثاني: وهذا اعتراف صريح بآدمية المرأة وحقها في اختيار الاستمرار في علاقة "مشاركة" أو الانسحاب منها بكرامة، بدلاً من الغدر بها تحت مسميات واهية.
2. وأد "الزواج العرفي": هذا الكيان اللعين الذي أضاع حقوق آلاف النساء والأطفال، وكان دائماً الملاذ الآمن لمن يريد الاستمتاع بالحقوق والهروب من الواجبات. إن إنهاء الاعتراف بهذا النوع من الارتباط هو حماية للأنساب والمجتمع من العبث.
صوت الشارع
من خلال تحليل عينة واسعة من التعليقات (أكثر من 100 تعليق) على قضية قتل القاضي لطليقته، يمكن استخلاص عدة ظواهر اجتماعية ونفسية تعكس حالة من الاستقطاب الحاد في المجتمع المصري تجاه قوانين الأسرة والعلاقة بين الجنسين.
إليك أبرز النقاط المستخلصة:
"قانون الأحوال الشخصية" كمتهم أول
هناك إجماع شبه تام في تعليقات الرجال (وبعض النساء) على أن القانون الحالي هو المحرض الفعلي على الجريمة.
- القهر القانوني: يُنظر للقانون على أنه "سلب للرجولة" وجعل الرجل في حالة "ذل".
- الثغرات: الإشارة المتكررة لمسألة "الزواج العرفي" للمطلقة للتحايل على سقوط الحضانة، واعتبرها المعلقون نوعاً من "السرقة المقننة".
- المطالب: تكررت وسوم (هاشتاجات) تطالب بتعديل سن الحضانة ليكون (7 للولد و9 للبنت) وإلغاء التخيير، كحلول لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.
ظاهرة "التعاطف مع القاتل.. " الضحية vs الجلاد
برز توجه مخيف في التعليقات يميل لتبرير القتل أو "أنسنته":
- الدافع النفسي: تصوير الجريمة على أنها "انفجار" نتيجة ضغط عصبي ونفسي طويل، وليس عملاً إجرامياً محضاً.
- القاتل كبطل: وصف القاضي بأنه "بطل" و"راجل حر" لأنه انتقم لكرامته أو حمى بناته من "راجل غريب".
- تغييب الضحية: هناك ميل لاتهام الضحية (القتيلة) بأنها هي من "دمرت حياته" و"استفزته"، مع غياب شبه كامل للتعاطف معها في معسكر المدافعين عن الرجل.
الصراع الأيديولوجي.. النسوية vs المحافظة
التعليقات كشفت عن عدائية شديدة تجاه المؤسسات النسوية:
- المجلس القومي للمرأة: يُنظر إليه في التعليقات كـ "مخرب للبيوت" ومحرض للنساء على التمرد.
- أجندات خارجية: ذهب البعض إلى وجود "أجندات دولية" تهدف لهدم الأسرة العربية وإضعاف دور الأب لخلق أجيال مشتتة.
انقسام حاد على أساس النوع
- رؤية النساء: ركزت على أن القتل لا مبرر له، وأن هناك خللاً نفسياً في المجتمع يبرر إزهاق الروح، محذرين من تحول المجتمع إلى "غابة".
- رؤية الرجال: ركزت على "الغيرة" و"الشرف" و"الولاية"، معتبرين أن "قهر الرجال" الذي استعاذ منه النبي هو ما وصل إليه هذا الرجل.
أزمة الثقة في ميزان العدالة
المفارقة الصارخة في التعليقات هي أن القاتل "قاضٍ":
- البعض رأى أنه "أدرى الناس بظلم القانون" لذا لجأ ليده حين عجز كمستشار عن أخذ حقه بالقانون.
- آخرون رأوا في ذلك "كارثة"؛ فإذا كان رجل القانون قد كفر به، فماذا سيفعل المواطن العادي؟
استحضار المرجعية الدينية والاجتماعية
- الشرع vs القانون الوضعي: يرى الكثيرون أن البعد عن الشريعة في تقسيم الحقوق بعد الطلاق هو السبب في هذه "الدماء".
- المقارنة بالماضي: استحضار نموذج "الأمهات والجدات" اللاتي كنّ يصبرن ويحافظن على البيوت، في مقابل "نواشز" العصر الحالي (على حد وصف التعليقات).
ملخص المشهد
نحن أمام مجتمع "محتقن قانونياً"؛ حيث لم تعد الجريمة تُناقش كفعل جنائي فردي، بل أصبحت "منصة" لتصفية الحسابات مع قوانين الأسرة.
هناك فئة لا يستهان بها ترى في العنف وسيلة مشروعة لاسترداد "الكرامة" المهدورة بالقانون، مما ينذر بتزايد العنف المجتمعي إذا لم يتم احتواء هذا الشعور بـ "عدم الإنصاف".
الأسرة المستقرة تُبنى على العدل
إن الرجولة ليست بـ "الرصاص" ولا بـ "المنع" ولا بـ "التهرب من النفقة"، بل هي في القدرة على التسريح بإحسان والمعاشرة بالمعروف.
إن تقديس صورة "الجدات الصابرات على الإهانة" ليس إلا محاولة بائسة لإعادة إنتاج عصر "الجواري"، بينما الواقع يفرض أن الأسرة المستقرة تبنى على العدل، والعدل يبدأ من احترام حق المرأة في أن تقول "لا" دون أن تُقتل أو تُشرد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق