في تاريخ الفلسفة وعلم النفس، ظل سؤال "الشر البشري" لغزاً يحاول المفكرون تفكيكه. ولم يكن الشر يوماً مجرد غياب للخير، بل هو قوة اندفاعية مريضة تتغذى على الهيمنة وبسط النفوذ.
عندما نقرأ كتابات الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، ثم ننتقل إلى أطروحات عالم النفس الإنساني إريك فروم، نجد أنفسنا أمام تشريح دقيق لظاهرة سيكولوجية وسياسية مرعبة صاغها فروم تحت مصطلح "النرجسية الخبيثة" (Malignant Narcissism)؛ وهي الحالة التي يتحول فيها وهم التميّز إلى أداة لإشعال الحرائق ونشر البؤس في العالم.
سيكولوجية العجز والانتفاخ عند نيتشه
في كتابه (الفجر)، وضع فريدريك نيتشه يده على الجرح السيكولوجي للنفوس المشوهة، معرّياً ما يمكن تسميته بـ "إرادة القوة المريضة".
يرى نيتشه أن هناك صنفاً من البشر لا يمكنهم الشعور بقيمتهم أو قوتهم الذاتية إلا إذا وجدوا في محيطهم شخصاً أضعف منهم، يمارسون عليه التوبيخ، أو السيطرة، أو الإهانة.
هذا التميز ليس حقيقياً، بل هو "تفوق مشروط" بوجود الضحية؛ فالعاجز المنتفخ يحتاج دائماً إلى شخص خائف أو مستضعف كي يظهر أمامه بمظهر الجريء والمتفوق.
إنها محاولة يائسة وبائسة للهروب من الرعب الداخلي الكامن في شعورهم العميق بالضعف والعدم. ولأنهم يعجزون عن مواجهة ذواتهم، فإنهم يبحثون عن محيط مائع يسمح لهم بهذا التعالي دون مقاومة أو عقاب.
والمفارقة الساخرة التي يطرحها نيتشه هي أن هذا العاجز قد يحتاج لتغذية نرجسيته إلى كلب، أو صديق، أو امرأة، أو حزب.. وفي حالات نادرة وطاغية، قد يحتاج إلى عصر بأكمله ليقع تحت وطأة زيفه!
إريك فروم وجوهر "النرجسية الخبيثة"
في عام 1964، وفي كتابه العبقري (قلب الإنسان: إرادته للخير والشر)، أخذ إريك فروم هذه الرؤية إلى ميدان علم النفس الإكلينيكي والسياسي، ليصك مصطلح "النرجسية الخبيثة"، واصفاً إياها بأنها "أخطر مأساة سيكولوجية" وجوهر الشر البشري.
فرق فروم بدقة بين نوعين من النرجسية:
- النرجسية الحميدة (الإنتاجية): وهي التي يفتخر فيها الإنسان بإنجاز ملموس حققه بجهده وعمله، وهي طاقة تدفع بالمرء نحو النمو وبناء الواقع.
- النرجسية الخبيثة (الهدامة): وهي أخطر لأنها لا تقوم على أي إنجاز. النرجسي الخبيث يفتخر بـ "ما هو عليه" لا بما يفعله؛ يرى نفسه عظيماً لمجرد ذاته، أو عرق أجداده، أو دينه، أو حزبه.
هذا النوع من النرجسية يورث صاحبه "عمى واقعياً مطلقاً". فكل ما يخصه، ويخص أفكاره ورغباته، هو المقدس والإيجابي؛ وكل ما يقع خارج حدود ذاته المتضخمة هو التافه والمستباح. ولا يقبل النرجسي الخبيث النقد؛ إذ يرى في الرأي المخالف هجوماً شريراً يستوجب الإبادة، مما يجعله محصناً ضد التعلم أو التراجع عن الخطأ.
متلازمة التحلل: تحالف النرجسية وعشق الموت
لم يقف فروم عند حدود وصف الأنانية، بل ربط النرجسية الخبيثة بما أسماه "متلازمة التحلل" (Syndrome of Decay)، وهي ثالوث مرضي يتكون من: النرجسية الخبيثة، والارتباط التكافلي المرضي، وعشق الموت (Necrophilia).
عاشق الموت في المنظور النفسي هو الشخص أو الكيان الذي ينجذب نحو التدمير، وتحويل كل ما هو حي ومنطلق ومتنوع إلى شيء جامد وميت.
هنا تلتقي الفلسفة بالواقع السياسي؛ فالنرجسي الخبيث يجد لذته القصوى في السيطرة عبر الإفناء والتحطيم.
من الفرد إلى الدولة: النرجسية الجماعية والسياسة الاستعمارية
تتجلى خطورة هذا التحليل النفسي عندما ينتقل من مستوى الأفراد المريضين إلى مستوى النخب السياسية والأنظمة الاستعمارية. عندما يعاني قائد شعبوي فج، أو قوى مهيمنة، من هذه النرجسية الخبيثة، فإنهم يعمدون إلى حقن الجماهير بـ "نرجسية جماعية"؛ تعويضاً عن أزماتهم وعجزهم البنيوي الداخلي.
تصبح السياسة الدولية حينها مرآة لهذه العقدة:
1. إشعال الحرائق كبديل للإصلاح: بدلاً من مواجهة العجز الاقتصادي أو الاجتماعي الداخلي، تقوم القوى الاستعمارية بتصدير أزماتها عبر إشعال صراعات عبثية في بلدان أخرى لإعادة إنتاج شعور وهمي بالسيطرة والقيادة.
2. تخليق بيئة البؤس: كي يشعر المستعمر بأنه القوي والمتحضر والمتفوق، هو بحاجة مستمرة لإبقاء محيطه في حالة من الخوف والبؤس والعجز. استقرار الآخرين يهدد سردية تفوقه؛ لذا يصبح "نشر البؤس" هدفاً استراتيجياً وسيكولوجياً بحد ذاته.
3. الانتحار النرجسي المالي: من أعجب مظاهر النرجسية الخبيثة الدولية هو "العمى النرجسي"؛ حيث تندفع هذه القوى لإشعال حروب تلتهم ميزانياتها الخاصة وتجعل شعوبها تعاني الضنك، مفضلةً أن تكون "سيداً بائساً على ركام عالم خائف" بدلاً من أن تكون شريكاً متساوياً في عالم مستقر وعادل.
النرجسية الصاخبة والاستعلاء
إن النرجسية الخبيثة—سواء تجسدت في فرد يمارس ساديته على صديق أو امرأة، أو في مجرمين يتسترون وراء الفلسفة لتبرير غدرهم، أو في قوى عظمى تحرق القارات—هي في جوهرها قبر الإنسانية. لقد كان نيتشه محقاً حين رأى أن "النرجسية الصاخبة والاستعلاء" هما القناع الذي يرتديه أشد الناس خوفاً وعجزاً. فالقوة الحقيقية المبدعة تتميز بالترفع، والهدوء، والسيادة على الذات، أما العجز المنتفخ فلا يعيش إلا في مستنقعات الحرائق ومآسي الآخرين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق