في السابع من يوليو 2026، وعلى أرض ملعب أتلانتا، لم يكن أحد يحتاج لمشاهدة المائة دقيقة كاملة ليدرك أن رقعة الشطرنج الكروية قد رُتّبت مسبقًا؛ فالصورة الفاضحة للكيل بمكيالين كانت أسرع من صافرة الفرنسي فرانسوا ليتكسييه.
عندما يتقدم منتخب مصر على حامل لقب كأس العالم، الأرجنتين، بهدفين نظيفين، ويسطر لاعبوه ملحمة كروية بإقدام لا ترتجف، ثم تنقلب الطاولة في الأنفاس الأخيرة بفعل فاعل، تدرك أنك لا تحارب منافسًا بالقميص الأبيض والسماوي، بل تحارب 'النظام'.
إلغاء هدف مصري مستحق، والتغاضي عن ركلة جزاء صريحة للفراعنة سبقت هدف الفوز الأرجنتيني الثالث، لم يكن مجرد خطأ تحكيمي عابر في المونديال، بل كان إعادة إنتاج لسيناريو سينمائي مألوف، استيقظت معه في عقول العشاق واللاعبين تلك الروح القديمة القاتلة: روح العبث واللاجدوى.
إنها اللحظة التي يهمس فيها الواقع في أذن اللاعب الأفريقي: 'مهما ركضت وعرقت، فالنهاية قد كُتبت بالفعل'، وهو شعور قاهر، قادر على كسر أصلب الرجال".
جذور العقدة: كيف عاشت فرق الصالات المصرية "الأمرين" في الماضي؟
ما حدث في مونديال كرة القدم 2026 أمام الأرجنتين، ليس حدثًا معزولاً، بل هو الحلقة الأحدث من مسلسل ممتد عانت منه الرياضة المصرية في ألعاب الصالات (اليد، السلة، الطائرة) طوال الثمانينيات والتسعينيات وأوائل الألفية.
كان ذلك العصر يمثل ذروة "الديكتاتورية الرياضية الأوروبية واللاتينية"، حيث كان يُنظر لأفريقيا كـ "تكملة عدد" لا يحق لها التجرؤ على العروش العالمية.
1. كرة اليد: المجازر التحكيمية المنظمة (جيل التسعينيات والـ 2001)
كانت كرة اليد المثال الصارخ على كسر طموح اللاعب المصري. في التسعينيات، صنع الفراعنة جيلًا أسطوريًا تخطى حدود أفريقيا لينافس على الذهب العالمي.
مونديال فرنسا 2001: وصل المنتخب المصري لنصف النهائي ليكون أول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الإنجاز. وفي مباراة نصف النهائي أمام فرنسا (صاحبة الأرض)، تعرض الجيل الذهبي لـ "مجزرة تحكيمية" علنية. أُلغيت أهداف صحيحة لمصر، وتغاضى الحكام عن خشونة مفرطة للاعبي فرنسا، وتم إيقاف نجوم مصر بدقيقتين دون مبرر.
الأثر النفسي: خرج اللاعبون يبكون في الممرات ليس بسبب الخسارة، بل بسبب اليقين المرير بأن الهيكل الدولي لكرة اليد لن يسمح لمنتخب عربي برفع الكأس على أرض أوروبية، مما ولّد حالة من الانكسار لجيل كامل اعتزل وهو يشعر بأن جهده نُهب بدم بار.
2. كرة السلة والطائرة: ظلم المقاعد وتوجيه القرعة (الثمانينيات والتسعينيات)
في هاتين اللعبتين، لم يكن الظلم دائمًا بصافرة حَكَم، بل كان ظلمًا هيكليًا وإداريًا وماديًا صُمم ليبقى الكبير كبيرًا والصغير صغيرًا:
حرمان من "الكوتة": طوال الثمانينيات والتسعينيات، كانت قارة أفريقيا بأكملها تُمنح مقعدًا واحدًا أو مقعدين على الأكثر في بطولات العالم والأولمبياد، في حين تستأثر أوروبا بأكثر من نصف المقاعد.
مجموعات الموت الموجهة: عندما كانت مصر تتأهل (كبطلة أفريقيا)، كان يتم وضعها تلقائيًا في المستويات الدنيا وتوجيه القرعة لتصطدم فورًا بعمالقة العالم (أمريكا، الاتحاد السوفيتي، يوغوسلافيا). لم يكن هناك أي تدرج، بل دفع بالفرق الأفريقية إلى مسالخ كروية لإخراجها مبكرًا.
العزل الإعلاني والتسويقي: حُرمت الطائرة المصرية لسنوات من المشاركة في "الدوري العالمي" بسبب معايير تسويقية ظالمة تخدم الأسواق الأوروبية، مما أصاب الأجيال المتعاقبة بإحباط شديد؛ فمهما بلغت سيطرتهم المحلية والأفريقية، هناك سقف زجاجي حديدي يمنعهم من التطور مجاراة العالم.
سيكولوجية "اللاجدوى" وأثرها على اللاعب
عندما يواجه الرياضي منظومة تكيل بمكيالين، يحدث له ما يسمى في علم النفس بـ "العجز المتعلم" (Learned Helplessness). يرى اللاعب نفسه يتدرب ليل نهار، ويلتزم تكتيكيًا، ويتفوق بدنيًا في الملعب (كما فعلت مصر أمام الأرجنتين في 2026 بتقدمها 2-0، وكما فعلت اليد في 2001)، ثم يرى كل هذا يتبخر بصفارة ظالمة تمنح الخصم ركلة جزاء أو تلغي له هدفًا شرعيًا لإنقاذ "اسم كبير" أو "حامل لقب".
هذا التراكم التاريخي هو ما يكسر اللاعب؛ لأنه يحول الرياضة من منافسة شريفة تعتمد على العرق والجهد، إلى مسرحية هزلية معروفة النتائج سلفًا، مما يدفع الأجيال الشابة للتساؤل بحزن: "لماذا نحاول من الأساس؟".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق