حين تطأ أقدام المؤرخ حيَّ "الأزبكية" أو أزقة "الوسعة" في قاهرة الحرب العالمية الأولى، سيسمع صدى ضجيجٍ غريب لم تألفه الحارة المصرية من قبل؛ صدى يجمع بين قهقهات صاخبة، لكنة إنجليزية حادة وهجينة، وقرقعة زجاجات خمرٍ تتطاير في الهواء.
هنا قصة "الأنزاك" (القوات الأسترالية) في مصر... فصولٌ مشحونة بالصخب، والتمرد، وعصي الهوكي!
الفصل الأول: جيشٌ هبط من "الباكستان" إلى "الأزبكية"
في أواخر عام 1914، وفيما كانت شمس الخلافة العثمانية تغرب ونيران الحرب العالمية الأولى تشتعل، تحولت مصر قسراً إلى معسكر عسكري هائل لبريطانيا. هبط الأستراليون في معسكرات "المناجم" و"الهرم". لم يكونوا جنوداً نظاميين بالمعنى التقليدي للكلمة؛ بل كانوا شباناً من رعاة البقر، والمزارعين، والعمال الذين قذفت بهم الأقدار من أقاصي الأرض إلى قاهرة المعز.
تميز هؤلاء الجنود بأمرين جعلوا وجودهم في شوارع القاهرة كالقنبلة الموقوتة:
الجيوب الممتلئة: كانت رواتبهم تفوق رواتب الجنود البريطانيين والمصريين بأضعاف، فصارت لديهم قوة شرائية مفرطة.
التمرد الفطري: كانوا يزدحمون برغبة عارمة في الشجار، ولا يعترفون بالتراتبية العسكرية البريطانية "المتغطرسة".
سرعان ما تحولت حانات القاهرة، ومسارح شارع عماد الدين، وأحياء البغاء الرسمي (التي كانت خاضعة للتفتيش الطبي) إلى مسرح يومي لـ "خناقات" أسترالية لا تنتهي.
الفصل الثاني: ليلة اشتعلت فيها "الوزير"
في الجمعة العظيمة، الثاني من أبريل عام 1915، اندلعت "معركة الوزير الأولى".
انتشرت شائعة كالنار في الهشيم بين الجنود الأستراليين في معسكر الهرم: "بائعات الهوى في حي الوسعة (بمنطقة سيدي عبد الحق الوزير) نقلن أمراضاً جنسية لرفاقنا، والخمور هناك مغشوشة بأسعار فلكية!"
في لحظات، زحف حوالي 2500 جندي مدججين بالغضب والصخب نحو الحي. لم تكن معركة عسكرية، بل كانت فوضى عارمة؛ اقتحموا البيوت، وقذفوا بالأثاث، والمراتب، والمتاع من النوافذ إلى قوارع الطرق، وأشعلوا فيها النيران حتى تحول الحي إلى كتلة لهب. وحين هرعت سيارات الإطفاء المصرية لإنقاذ الموقف، قطع الجنود الثائرون خراطيم المياه بمديَهم! ولم يهدأ هذا الجنون إلا حين تدخلت الخيالة البريطانية وأطلقت النار في الهواء، ليعيدوا التكرار بنسخة أصغر في يوليو من نفس العام (معركة الوزير الثانية).
الفصل الثالث: ثورة 1919 وعصي الهوكي!
مرت السنوات، وانفجرت مصر في وجه المحتل البريطاني عام 1919. كان الشارع المصري يغلي، وكان طلاب الأزهر يقودون المسيرات السلمية بهتافات تهز القلوب.
في هذا التوقيت، كان حكمدار القاهرة الإنجليزي الذكي، توماس راسل (راسل باشا)، يحاول الحفاظ على شعرة معاوية مع المتظاهرين لتجنب حمامات الدم، فاتفق مع قادة المظاهرات على مسارات محددة.
لكن الأستراليين، بطبيعتهم العنيفة، قرروا التدخل بأسلوبهم الخاص. في إحدى المسيرات، فوجئ المتظاهرون وقوات الشرطة المصرية بالجنود الأستراليين يندفعون نحوهم، ليس بالبنادق، بل بـ "عصي الهوكي وأرجل الطاولات الخشبية"، نيتهم الواضحة كانت سحق عظام المتظاهرين وتأديبهم.
وهنا تجسدت واحدة من أغرب لقطات التاريخ: وقف الحكمدار البريطاني (راسل باشا) بسيارته وقوات الشرطة المصرية سداً منيعاً لحماية المتظاهرين المصريين (ومنهم شيوخ الأزهر)، وصرخ في وجه القوات الأسترالية مهدداً:
"إذا لم تسحبوا أنفسكم وعصيكم فوراً، فلن تواجهوا هؤلاء الطلاب... بل سآمر قواتي (الشرطة المصرية) بإطلاق النار عليكم!"
أمام هذا التهديد المباشر والصارم من ضابط يرتدي الطربوش المصري، أنزل الأستراليون عصي الهوكي، وانسحبوا يجرون أذيال الخيبة.
الخاتمة: ذكرى ممتدة
رحل الأستراليون عن مصر تاركين وراءهم إرثاً غريباً؛ في أستراليا يُنظر إلى تلك الحقبة بوصفها مرحلة "تكوين الشخصية العسكرية القوية والجسورة" للأنزاك قبل معركة غاليبولي، أما في الوجدان الشعبي المصري، فقد سُجلوا في ذاكرة التاريخ كعنوان للصخب، والغطرسة، والقوة الغاشمة التي كُسرت في النهاية أمام صمود الشارع، وحكمة "الطربوش" الذي قاد الشرطة المصرية في لحظة تاريخية استثنائية.
