الجمعة، 24 يوليو 2026

وهم الفحولة وتجارة الأوهام: لماذا يخافون من وعي النساء؟



في زمن تراجعت فيه قيم الكفاءة والمسؤولية، وارتفعت فيه تكاليف المعيشة إلى مستويات قياسية، ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي فئة جديدة من "تجار الوهم". 

هم أشخاص يلقبون أنفسهم خطأً بـ "الشيخ" أو "الموجه الأسري"، وجدوا في ترويج أكذوبة "التعدد المطلق" منجماً ذهبياً، حيث يتقاضون آلاف الجنيهات مقابل دورات تدريبية وكورسات تبيع للشباب وهماً رخيصاً اسمه: السيطرة والفحولة المزيفة!

تجارة "الغلة" على قفا المأزومين

من المثير للشفقة والسخرية معا، أن نرى طوابير من الذكور المتحمسين لهذا الخطاب؛ وهم في الغالب قطاع عريض ممن يعانون من عجز اقتصادي واجتماعي، ولا يعرفون من تفاصيل الدين الحنيف شيئاً سوى رخصة التعدد.

هؤلاء الشباب، للأسف، يقعون فريسة لمن يجمع "الغلة" ويزيد من أرصدته البنكية على حساب أحلامهم البسيطة وأزماتهم الطاحنة. والأنكى من ذلك، أن الواقع العملي يكشف بوضوح أن هؤلاء المدافعين عن التعدد -إلا من رحم ربي- هم أنفسهم عالة على زوجاتهم، يتهربون من أدنى درجات الرعاية والنفقة الواجبة، لترى أحدهم يتأفف وينزعج لمجرد مطالَبته بأبسط حقوق بيته، بينما يحلم بفتح جبهة حرب جديدة (بيت ثانٍ) لإشباع نرجسيته المهزومة.

عبثية مخاطبة "المغيبين"

مخاطبة هؤلاء الرجال المغيبين أو محاولة نقاشهم عقلياً واقتصادياً هي "معركة خاسرة ومضيعة للوقت"، لأنهم يعيشون في حالة "إنكار تام" للواقع. هم لا يبحثون عن حلول حقيقية لبناء أسر متماسكة، بل يبحثون عن مسكنات وهمية تشعرهم بأنهم "أصحاب قيمة ومرغوبون"، حتى وإن كان ذلك على أشلاء كرامة زوجاتهم وأبنائهم.

من هنا، يجب أن يتغير وجه بوصلة التوعية تماماً. بدلاً من مخاطبة عقول مغيبة، يجب التوجه مباشرة إلى الطرف الأذكى والأكثر تضرراً: النساء أنفسهن.

سلاح الوعي والشروط: كيف تحمي المرأة نفسها؟

بما أن الواقع القانوني يعاني أحياناً من بطء شديد في إجراءات التقاضي، وبما أن القوانين الحالية قد تقصر أحياناً عن رد الحقوق بالسرعة الواجبة، فإن خط الدفاع الأول والأخير يكمن في الوقاية المبكرة قبل توقيع عقد الزواج.

على كل امرأة أن تدرك تمام الإدراك أن الشريعة لم تجعل التعدد فرضاً، وأن حمايتها لن تأتي من نصوص فضفاضة، بل من وعيها الصلب بشروطها الخاصة:

  1. العقد شريعة المتعاقدين: من حق الزوجة تماماً -بل ومن واجبها- أن تدرج في وثيقة الزواج شروطاً واضحة وحاسمة، مثل:

    • حق التطليق الفوري (العصمة المشروطة): أن يكون لها الحق الكامل في إنهاء الزواج فوراً ودون خسائر مادية إذا أقدم الزوج على الزواج بأخرى.

    • شرط الإخطار الإلزامي: اشتراط إعلامها بشكل رسمي ورضائي مسبق في حال فكر في التعدد، ليكون القرار بيدها منذ اللحظة الأولى.

  2. رفض الزيجات غير المتكافئة: على المجتمع والفتيات نزع الهالة المزيفة عن كل رجل لا يملك كفاية نفسه فضلاً عن إعالة بيت ثانٍ، واعتبار الإقدام على التعدد في ظل هذه الظروف الاقتصادية الطاحنة ليس "سنة"، بل ظلماً بيناً واستهتاراً بالمسؤولية.

  3. الاستقلال المالي والوعي الحقوقي: دعم بعضهن البعض بإنشاء شبكات وعي مجتمعي، ترفض الخضوع لابتزاز المفاهيم المغلوطة التي يروج لها تجار الوهم الدينى والذين لا يهمهم سوى جمع المال.

خلاصة القول

إن مواجهة هذه الموجة الاستغلالية لا تكون بالصراخ في وجه من أدمنوا شراء الوهم، بل بتمكين النساء من امتلاك أدوات حمايتهن القانونية والنفسية. فالتوعية الحقيقية تبدأ حين تعرف المرأة قدرها، وتدرك أن زواجاً يقوم على الأنانية واستنزاف الكرامة هو جحيم لا بد من رفضه واليقظة له مبكراً.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق