الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

"استعباد النساء": بين وهم التحرر وعبودية الابتزاز العاطفي

  


حين كتب المفكر الإنجليزي جون ستيوارت ميل رائعته "استعباد النساء" عام 1869، لم يكن يدافع عن مجرد حقوق مدنية، بل كان يفكك أعرق نظام استبدادي عرفه التاريخ البشري؛ النظام الذي يخلع عن الإنسان إنسانيته ويحوله إلى تابع بلا إرادة.

الزوجة مقابل العبد 

لقد عقد ميل مقارنة صادمة وجريئة بين الوضع القانوني والاجتماعي للزوجة في ظل المؤسسة الزوجية التقليدية، وبين "العبد" بالمعنى الحرفي؛ فالعبد وإن كان أتعس حظاً في بعض المحطات التاريخية، إلا أن الزوجة في ظل المنظومة الأبوية أُسدلت عليها قيود لا تقتصر على الجسد والمال، بل تمتد لتستعمر الروح والوجدان.

والأدهى من ذلك، أن ميل أشار ببراعة إلى ما سمّاه "الخضوع الطوعي المصطنع"، حيث يُربى المجتمع النساء على تقديس قيودهن، ويُقنع الرجال بأن امتيازاتهم المطلقة هي "قانون الطبيعة".

العمى الجندري

لكن الكارثة الحقيقية التي تكشفها مجتمعاتنا المعاصرة تكمن في أن هذه الصورة النمطية لم تندثر، بل ارتدت أقنعة مخادعة.

فاليوم، يتخيل المجتمع أننا تجاوزنا عصر الوصاية والاستعباد لمجرد أن المرأة نالت حقها في التعليم أو اقتحمت سوق العمل، وكأن الأرقام والإنجازات تكفي وحدها لتحرير العقل الجمعي.

المجتمع هنا يعاني من "عمى طبقي جندري" حاد؛ فهو لا يكاد يرى أين يقف الذكر وأين تقف الأنثى، بل يسطح المشهد كله ليمنح صكوك الفضل والسيادة للذكر لمجرد كونه ذكراً، بغض النظر عن كفاءته، أو نضجه، أو عجزه المخزي.

تتجسد هذه المأساة في أقسى صورها حين تقف امرأة تتمتع بالكفاءة، انتزعت نجاحها بجهد خارق في مجالات علمية دقيقة، وأسست بجهدها المنفرد استقرار أسرتها ومستقبل أبنائها، لتصطدم بواقع يعاملها كآلية إنتاج لا كشريكة؛ حيث يمارس الطرف الآخر –الذي يعاني من اتكالية ونضج غائب– أنواع الابتزاز كافة، مستنداً إلى موروثات ثقافية تمنحه الوصاية المطلقة وصكوك التحكم، معتبراً أن مجرد وجوده أو "موافقته" الشورية هي منحة عظيمة يتفضل بها على من تواجه وتتخطى الصعاب بكل بسالة.

هنا تماماً ينهار الفارق الذي تتشدق به المدنية الحديثة؛ فالمرأة وإن خرجت للعمل وحازت الشهادات، إلا أنها غالباً ما تظل محاصرة في قفص الاستنزاف النفسي والجهد المضاعف، فإذا ما طالبت بالاحترام والشراكة العادلة، أشهر في وجهها سلاح القوانين المجحفة أو الضغوط الاجتماعية الجائرة.

إنها صرخة متجددة تؤكد أن جون ستيوارت ميل لم يكن يكتب عن تاريخ منقضي، بل كان يكتب محضر اجتماع لواقعنا المعاصر الذي يحتاج لا ثورة تعليمية فقط، بل ثورة أخلاقية تنسف هذا العفن الذكوري المستبد من جذوره.

الإسقاط الواقعي على وضع المرأة الشرقية المعاصرة

(استناداَ إلى مفارقة: التعليم والعمل مقابل غياب نضوج الرجل والمسؤولية)

إن الواقع المعاصر لقطاع واسع من النساء الشرقيات يطرح "استعباداً مقنعاً" أو استعباداً من نوع جديد؛ فهو ليس استعباد الجهل أو الحرمان من العمل، بل هو استعباد الجهد المضاعف والاستنزاف النفسي، ويمكن تحليله عبر النقاط التالية:

 مفارقة التمكين الشكلي والعبء المزدوج

    الواقع: باتت المرأة الشرقية متعلمة تعليماً عالياً، وتشغل وظائف كبرى، وتتحمل جزءاً كبيراً أو أحياناً كاملاً من الإنفاق المالي على الأسرة، إضافة إلى دورها التقليدي الحصري في رعاية المنزل والأطفال.

    الاستعباد هنا: تحولت المرأة إلى "آلة إنتاج وعطاء" مستمر، بينما يُعفى الرجل ثقافياً ومجتمعياً من عبء المشاركة الحقيقية في التفاصيل اليومية للمنزل أو التربية، تحت مظلة موروثات ثقافية تكرس اتكاليته.

 أزمة "الذكورة غير الناضجة" والاتكالية المفرطة

    الواقع: يعاني كثير من الذكور في هذه البيئات من أزمة عميقة في النضوج النفسي وتحمل المسؤولية (Emotional & Financial Immaturity)، حيث تربى الذكر على أنه "السيد" لمجرد كونِه ذكراً، بغض النظر عن كفاءته أو مساهمته.

    الاستعباد هنا: تجد المرأة نفسها تعول طفلاً كبيراً (الزوج) يفتقر إلى القدرة على إدارة الأزمات أو الشراكة الوجدانية والمادية، مما يضعها في قفص المسؤولية المطلقة دون سند، وهو وجه آخر من أشكال الاستعباد الذي تحدث عنه ميل، حيث يُطالب الطرف الضعيف بالواجبات كاملة ويُمنح القوي الامتيازات بلا التزامات.

 استمرار الهيمنة الأبوية تحت غطاء "المال المستباح"

    الواقع: تنفق المرأة من عرقها وجهدها على بيتها وأسرتها، لكن القرار النهائي، والوصاية الاجتماعية والنفسية، بل وحتى السيطرة على القرار الأسري قد تبقى رهينة لعقلية ذكورية قاصرة.

    الاستعباد هنا: يُستغل تفاني المرأة واستقرارها النفسي وحرصها على الأبناء كأداة ضغط ضدها؛ فهي تعمل وتنفق وتتحمل، ولكنها لا تملك حق المناقشة أو تقاسم السلطة الأسرية بعدالة، تماماً كما وصف ميل الزواج التقليدي بأنه شراكة بين سيد وتابع.

الخلاصة النقدية

إذا كان جون ستيوارت ميل قد حارب في القرن التاسع عشر من أجل حق المرأة في العمل والتعلم كبوابة للتحرر، فإن مأساة المرأة الشرقية اليوم تكشف عن بعد أعقد: أن التحرر الاقتصادي والتعليمي وحدهما لا يكفيان إن لم يتزامنا مع ثورة ثقافية وأخلاقية تعيد صياغة مفهوم "الرجولة" و"المسؤولية المشتركة". 

فاستعباد اليوم لم يعد قيداً قانونياً يمنع المرأة من الخروج للعمل، بل هو قيد ثقافي يستنزف طاقاتها داخل البيت وخارجه مع رجل يرفض أن ينضج.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق