تُعد النفس البشرية معملًا معقدًا تتشابك فيه مشاعر الأمل باليأس، والتحكم بالعجز. ولعل من أكثر المحطات العلمية التي أماطت اللثام عن خبايا الاستسلام البشري والنفسي هي التجربة الشهيرة التي أجراها عالما النفس مارتن سيليجمان (Martin Seligman) وستيفن مايير (Steven Maier) في جامعة بنسلفانيا عام 1975، والتي أسست لمفهوم "العجز المتعلم" (Learned Helplessness).
هذه التجربة لم تقتصر حدود نتائجها على السلوك الحيواني فحسب، بل فتحت نافذة واسعة لفهم أعماق الاكتئاب السريري وكيفية الخروج من سراديبه.
أولاً: تفاصيل تجربة عام 1975 وتفكيك آليات الاستسلام
سعت التجربة إلى استكشاف كيف تتعامل الكائنات الحية مع الظروف المؤلمة أو الفاشلة التي تفقد القدرة على السيطرة عليها.
ولهذا الغرض، تم تقسيم الكلاب إلى ثلاث مجموعات رئيسية:
المجموعة الأولى (الضابطة - Control Group): وضعت في أجهزة التجربة دون تعريضها لأي صدمات كهربائية، لتشكل أساساً للمقارنة الطبيعية.
المجموعة الثانية (مجموعة التحكم القابل للهروب - Escapable Shock Group): تعرضت لصدمات كهربائية خفيفة كان بإمكان الكلب إيقافها بنفسه عبر الضغط على زر أو لوحة معينة. وقد تعلمت هذه المجموعة بسرعة كيفية التحكم في الموقف وحماية نفسها.
المجموعة الثالثة (مجموعة العجز الحتمي - Inescapable / Helpless Group): تعرضت لنفس الصدمات وبنفس الشدة والمدة التي تلقتها المجموعة الثانية، ولكن دون أن تملك أي وسيلة لإيقافها أو الهروب منها (إذ كانت الصدمة تتوقف عشوائياً بغض النظر عن سلوك الكلب).
في المرحلة اللاحقة من التجربة (اختبار "المكوك")، وُضعت كلاب المجموعات الثلاث في غرفة ذات حاجز منخفض يمكن القفز من فوقه بسهولة للنجاة من الصدمة الكهربائية بعد تحذيرها بضوء مسبق.
أظهرت النتائج أن كلاب المجموعتين الأولى والثانية قفزت بسرعة ونجت، بينما استسلمت معظم كلاب المجموعة الثالثة تماماً؛ فاستلقت على أرضية القفص تئن بلا حراك، رغم أن خطوة بسيطة كانت كفيلة بإنقاذها.
لقد "تعلمت" هذه الحيوانات أنها عاجزة تماماً عن تغيير مصيرها، فتوقف محاولاتها كلياً حتى عندما غدت الفرصة متاحة للنجاة.
ثانياً: جسر العبور إلى الاكتئاب السريري
يقدم العجز المتعلم نموذجاً تفسيرياً قريباً جداً لما يختبره الإنسان المصاب بالاكتئاب السريري (Clinical Depression). فالشخص الذي يواجه صدمات متكررة، أو إخفاقات مستمرة في علاقاته، أو بيئة عمل قاهرة تفتقر للعدالة أو التحكم، يطور بمرور الوقت قناعة راسخة بأن أفعاله بلا جدوى.
تظهر أوجه التشابه بوضوح في عدة أبعاد:
فقدان الدافع للعمل: تماماً كاستسلام كلاب التجربة، يتوقف المصاب بالاكتئاب عن محاولة حل مشكلاته أو السعي لتغيير واقعه لشعوره المسبق بأن النتيجة المحتومة هي الفشل.
العمى المعرفي عن الحلول: يفقد الفرد القدرة على رؤية الفرص والخيارات المتاحة أمامه، تماماً كما لم تر كلاب المجموعة الثالثة الحاجز البسيط للهروب.
التأثيرات البيولوجية المشتركة: أثبتت الأبحاث اللاحقة أن التعرض لضغوط وصدمات لا يمكن السيطرة عليها يخفض مستويات ناقل عصبي حيوي في الدماغ وهو السيروتونين (Serotonin)، وهو الناقل ذاته الذي يضطرب في حالات الاكتئاب السريري وتشكل الأدوية المضادة للاكتئاب وسيلة لتنظيمه.
ثالثاً: تطور النظرية ونماذج "العزو النفسي"
في مراحل لاحق لتطوير النظرية، وجد الباحثون أن رد فعل الإنسان تجاه الفشل لا يتوقف فقط على الصدمة، بل على طريقة تفسيره لها (العزو - Attribution):
الشخص السليم يفسر الفشل عادة بأسباب خارجية، مؤقتة، ومحددة (مثل: "الامتحان كان صعباً للغاية اليوم").
أما الشخص المكتئب فيميل إلى تفسير الإخفاق بأسباب داخلية، دائمية، وشاملة (مثل: "أنا فاشل بطبيعتي، والنجاح مستحيل في أي أمر وفي كل الظروف").
هذا النمط التفسيري يرسخ شعور العجز ويعمقه.
رابعاً: أفق العلاج النفسي الحديث
إذا كان العجز المتعلّم "مُكتسباً"، فإن الأمل يكمن في حقيقة أنه قابل للتفكيك وإعادة التعلم.
وهنا يبرز دور العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والأشكال الحديثة للعلاج النفسي عبر عدة خطوات محورية:
تحديد الأفكار التلقائية السلبية: رصد المعتقدات المعممة التي تُشعر المريض بأنه عاجز كلياً عن التحكم بحياته.
إعادة الهيكلة المعرفية: تحدي تلك الأفكار ومواجهتها بالدليل الواقعي، وفصل الإخفاق المؤقت عن القيمة الذاتية للشخص.
التجريب السلوكي وتفتيت المهام: تشجيع المريض على خوض خطوات صغيرة وبسيطة يمكنه التحكم بها وتحقيق النجاح فيها، لإعادة بناء "الثقة في السيطرة" (Self-Efficacy).
استعادة المعنى والوكالة: مساعدة الفرد على إدراك أن حياته تملك مساحة واسعة للقرار والتغيير، مما يكسر حلقة الاستسلام المزمن ويدفعه نحو التعافي الفاعل.
إن فهم تجربة عام 1975 يمنحنا إضاءة عميقة حول طبيعة النفس البشرية؛ فالشعور باليأس ليس قدراً محتوماً، بل هو استجابة لبرمجة سابقة يمكن تفكيكها متى ما توفرت الإرادة والأدوات العلاجية الصحيحة لاستعادة دفة القيادة في الحياة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق