السبت، 10 أكتوبر 2026

عندما يصرخ الجاني بصوت الضحية: من المظلومية النفسية إلى الهندسة السياسية

 



في كثير من الجرائم والأزمات الكبرى، يلاحظ المتابعون مشهداً يتكرر بغرابة: عندما يوشك الخيط أن ينكشف، يسبق الجاني الجميع إلى المنصات، يملأ الدنيا صراخاً وعويلاً، ويبكيك من شدة مظلوميته المفترضة.

في هذه اللحظة، يتراجع صوت الضحية الحقيقي خلف ضجيج الجاني الباكي، وتتحول الأنظار من البحث عن الحقيقة إلى تعاطف مجاني مع من يحمل في يده السلاح وفي الأخرى المنديل.

 

هذه الظاهرة ليست تصرفاً عشوائياً، بل هي آلية دقيقة تقع عند تقاطع علم النفس السلوكي وإدارة الأزمات المؤسسية.

 

أولاً: البعد النفسي الفردي.. استراتيجية DARVO وتفكيك الجريمة

 

في علم النفس الحديث، تُعرف هذه الآلية بأسماء محددة، أبرزها استراتيجية DARVO (الإنكار، الهجوم، وعكس أدوار الضحية والجاني) وتشمل:

 

l الإنكار التام (Deny): نفي وقوع الجريمة أو نفي العلاقة بها.

l المهاجمة (Attack): الشروع في مهاجمة الشاكي أو من يحاول كشف الحقيقة.

l عكس الأدوار (Reverse Victim and Offender): تبديل المواقع، فيصبح المعتدي هو "الضحية المسكينة" والضحية هو "الظالم".

 

تتغذى هذه الاستراتيجية على أبعاد سيكولوجية أعمق مثل النرجسية الهشة التي لا تحتمل تشوه صورتها أمام الناس، أو السيكوباتية والميكيافيلية التي تستخدم الانفعال والبكاء كأداة تكتيكية باردة لإرباك الرأي العام واستدرار العاطفة الفطرية لدى الجمهور.

 

ثانياً: الانتقال إلى المستوى المؤسسي.. عندما تصنع "الدولة العميقة" مظلوميتها

إذا كان الفرد يمارس هذا التكتيك لحماية نفسه من الفضيحة، فإن الأجهزة الأمنية والمؤسسات الاستخباراتية الكبرى تمارسه على نطاق واسع لخدمة أهداف استراتيجية وسياسية:

 

غسل الأيدي والهروب من المساءلة (Plausible Deniability):

 

عندما تخرج تقنيات سرية أو أبحاث محظورة عن السيطرة، أو عندما يرتبط اسم أجهزة قوية بتجارب أو انتهاكات، فإن إعلان "المظلومية العامة" يقطع الطريق أمام أي تحقيق جاد.

 

 

إغراق الحقيقة بالضجيج (Flooding the Zone):

 

عبر تكثيف الظهور الإعلامي والشهادات العاطفية، يتم إشباع الفضاء العام بسردية أحادية الاتجاه تُغرق الأصوات المستقلة والتقارير العلمية المحايدة.

 

التناقض الصارخ لحماية الهيبة:

 

المؤسسات التي تمتلك المال والتكنولوجيا والنفوذ تجد في ادعاء "العجز والتعرض للهجوم" وسيلة مزدوجة: تغطية الفشل أو الانتهاك الداخلي من جهة، وتبرير المطالبة بزيادة الميزانيات والنفوذ تحت ذريعة "الحماية والأمن" من جهة أخرى.

 

ثالثاً: "متلازمة هافانا".. نموذج حي لغسيل الأيدي الإعلامي

 

تتجلى هذه الديناميكية بشكل واضح في قضية "متلازمة هافانا" (Havana Syndrome). فبينما تُثار تساؤلات حادة حول من يملك التكنولوجيا والمال والقدرة الأكاديمية والتطبيقية لتطوير سلاح طاقة موجهة أو موجات كهرومغناطيسية بهذا التعقيد، نجد وسائل الإعلام مشحونة بشهادات متتالية لعملاء وموظفين سابقينلدى اعتى جهات الاستخبارات والتحقيقات يتحدثون عن معاناتهم وآلامهم. وأنهم هم الذين وقعوا ضحايا لهذه التقنيات الإجرامية.

 

إن تحويل قضية تقنية وأمنية شائكة إلى "سردية معافرة ومظلومية" يخدم هدفين رئيسيين:

 

l إبعاد الشبهات عن الأبحاث والتجارب السرية التي قد تكون الأجهزة نفسها طرفاً فيها.

 

l توجيه الاتهام التلقائي نحو "عدو خارجي مبهم"، مما يحول الفشل أو الجريمة إلى ورقة ضغط سياسية.

 

كيف نفهم المشهد دون الوقوع في الفخ؟

 

إن فهم التحليل النفسي والسياسي لسلوك "سرقة دور الضحية" يمنح المتابع حصانة ضد التلاعب العاطفي.

عندما تملأ الجهات القوية الدنيا صراخاً، يجب ألا ننظر إلى حجم الدموع أو ارتفاع الصوت، بل إلى موازين القوى والمصالح الحقيقية.

فالضحية الحقيقي غالباً ما يكون صامتاً أو مغيباً، بينما الجاني بيده التكنولوجيا، الميكروفون، وسردية المظلومية.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق