الجمعة، 13 نوفمبر 2020

عندما ساد الفساد


 

كان ياما كان، كان المذنب في بلادي يتوارى خجلا من أفعاله، وكان المجرم يعرف أنه خارج عن القانون، وقد يدعو الله أن يتوب عليه وأن يصلح أحواله قبل أن يلقاه، ولكن وكما يتطور كل شئ تطورت الجريمة، وتضخم المحرمون، وتولوا في غفلة من الزمن أرفع المناصب، فصاروا هم الأمرون الناهون على الأبرياء، وصار من يتحدث عن الفساد أو يشير إليه بلفظ أو إيماءة مستحقا لأقصى عقوبة، وقد يفعل به ما لا يخطر على أكثر العقول مرضا وخبلا.

ولذلك لم يكن غريبا أن يحرق محمد حسني نفسه في ميدان التحرير تعبيرا عن يأسه وحزنه وغضبه مما لاقاه بعد كشفه لبعض قضايا الفساد، وإصراره على معاقبة الفاسدين، وليس غريبا أيضا أن يتم وصمه بالجنون أو بالانتماء للإخوان أو غيرها من التهم المعلبة الجاهزة التي تقال في هذه المناسبات.

لم يكن حتى غريبا أن تخرج زوجته أو إبنه ليؤكدا مرضه النفسي فالبلد حرفيا تتحرك بإشارة من إصبع أصغر موظف في الأجهزة السيادية، ولا يمكن لأحد أن يرفض لهم طلبا مهما كان هذا الطلب، فالعواقب وخيمة.

وأسوأ ما في الأمر عندما يعاديك هؤلاء أنك لن تجد إلى جوارك سندا أو ظهيرا، وستعدم كلمة حق تقال أو شهادة صدق عند أقرب الناس إليك، كما أن هؤلاء لديهم تمويل ضخم من مئات المليارات وأجهزة التجسس والتتبع الأكثر تطورا في العالم، ووسائل تعذيب مبتكرة وقديمة ويمكنهم ببساطة شديدة أن يحاصروك في أدق تفاصيل حياتك، ويحيلون عيشتك إلى جحيم مقيم، وهم لا يعدمون المتعاونين الذين يكونون أشبه بالعبيد أو أقل شأنا فهم سيقومون بأدنى وأحط الأعمال بمقابل مادي، وربما مقابل التغاضي عن جرائم يرتكبوها، أو ابتغاء لرضى الأجهزة عليهم، أو خوفا منهم.

والأمثلة على ذلك كثيرة وأكثر من الحصر، أشهرها حالة المستشار هشام جنينة، الذي جعلوا منه عبرة لمن يعتبر، أو حالة الدكتورة ليلى سويف وأبنائها وما لاقوه من إيذاء واضطهاد بسبب ثباتهم على الحق، أو ما حدث للحقوقي جمال عيد.

وإذا نظرت إلى هؤلاء باعتبار أنهم مشاهير معروفون للجميع، لك أن تتخيل ما يمكن أن يحدث للمجهولين من اضطهاد وإيذاء، عن نفسي واجهت من هؤلاء ما لا يمكن لعقل واعي تخيله، وأبسط شئ أنهم قد استأجروا الشقة التي تعلوا شقتي منذ أربعة سنوات، ومنذ ذلك الحين والطرق على الحوائط والضجة لا تنقطع لا ليلا ولا نهارا.

في البداية كانا زوجين ومعهما طفلين صغيرين، وبحسب زعمهما فإنه يعمل في أحد المتاجر والمرأة مغربية – لهجتها مصرية خالصة -  والطفلة مصابة بالسرطان، ومنذ اللحظة الأولى والضجة الشديدة الغير محتملة تنبعث من شقتهما، بدأت بالحديث معهما بلطف ثم بدأ صوتي في العلو ثم طلبت الشرطة بلا فائدة.

في أحد الأيام قالت لي المرأة أنهم موظفون من أمن الدولة بسبب مقالاتي التي أكتبها وكتاباتي على مواقع التواصل، وبدأ الرجل في ملاحقتي كلما نزلت إلى الشارع وعندما واجهته ضحك وأنكر أنه يفعل ذلك، ولكني قمت بتصويره بالفيديو، ومن بعدها اختفى تماما من الصورة، وقالوا أنه يعمل في الكويت – ليس في متجر مصري – وأنه كان موجودا في إجازة وعاد لعمله.

لم ينتهي الأمر عند هذا الحد ولكن أصبحنا نجد عشرات الرجال والنساء يصعدون ويهبطون من هذه الشقة ليلا ونهارا وأيضا الضجة لا تنقطع من عندهم، أما الأطفال لديها فأحيانا بيض البشرة وأحيانا سمر البشرة، وأحيانا ثلاثة وأحيانا أربعة وعندما تأتي الشرطة ترفض عمل أي شيء وحتى عندما أردت معرفة شخصية مالك الشقة قال لي الشرطي "واحد ترك اقاربه في شقته من أنا لأسئله عن عقد الإيجار! أنا غير مسموح لي بالحديث معهم إلا إذا كان هناك أمر نيابة أو حكم محكمة"!

في أحد الأيام كنت في الخارج وجدتها أسفل العمارة وافتعلت شجار معي وحاولت إصابة عيني بشيء حاد في الشجار ولكني تغلبت عليها وقمت بضربها، وبعدها وجدت منشور لزوجها على أحد مجموعات الفيسبوك الخاصة بسكان المنطقة التي نعيش فيها، يتفق فيه مع أحدهم ليحل محله في الشقة.

وهذا ما حدث بالفعل فلقد تركوا الشقة، ولكن حل محلهم أشخاص يمارسون نفس الأفعال حرفيا بدون أي تغيير!!

كما أن الشقة المقابلة لشقتي على سبيل المثال ومساحتها 82 متر فقط يحضر إليها يوميا منذ ثلاثة سنوات عشرات العمال فيبدأون في إحداث ضجة شديدة لا يمكن لأحد احتمالها يوميا بحجة انهم يقومون بتشطيبها!!

وحتى الأن لا يوجد فيها اي شيء يستدعي كل هذه الضجة فهي مجرد شقة بحوائط عادية وأرضية عادية للغاية، ولا يمكن لعاقل فهم حقيقة ما يحدث فيها فعليا.

إذا تواجدت في أي مصلحة حكومية أو بنك يتم تعطيلي ودفعي للحضور مرات عديدة لأتفه الأشياء، حتى أن لدي قضية في العادة تنتهي خلال ستة أشهر على أقصى تقدير مازالت متداولة في المحاكم بعد ستة سنوات.

إن هؤلاء يمكنهم أن يدفعوك للانتحار بوسائل في غاية الحقارة والقذارة والفجر، ولا تخطر على أكثر العقول مرضا وخبلا، وأنا على ثقة أن ما يحدث معي يحدث مع الكثيرين غيري بدون أي عواقب.

الخميس، 5 نوفمبر 2020

وهم الثورة


 

وهم الثورة

 عندما فشلت ثورة يناير في تحقيق أهدافها، من ديمقراطية وعدالة اجتماعية وقضاء على الفساد وتنمية حقيقية، شعرنا جميعا بخيبة أمل لا مثيل لها، فكلما ارتفع سقف توقعاتك، كلما زادت خيبة أملك عندما تفشل هذه التوقعات، أو أسوأ عندما تأتي بنتائج عكسية.

فكان علينا أن نحلل ونحاول أن نفهم أسباب فشل الثورة، وعلى سبيل المثال: هل المشكلة أن الثورة كانت قصيرة الأمد فيما يشبه (هوجة) فلم تنضج بصورة كافية لتحقيق مآربها؟

ثورتي لبنان والسودان

هذا الزعم لم يكن حقيقيا مع الأسف، فثورتي لبنان والسودان مر عليهما أكثر من عام، لم يستسلم الناس ولم يعودوا إلى ديارهم، ولم تنطفئ حماستهم، ولكن وحتى الأن، لا يسير الأمر إلا من سيء لأسوأ ولم ينال الناس مبتغاهم.

إذا هل كانت المشكلة أننا لم نصبر على حكم الرئيس "المنتخب" وأننا بعد أن شعرنا أن الأمور لا تسير على ما يرام نادينا بعزله؟

ثورة تونس

هذا الأمر ايضا لم يكون حقيقي، ففي تونس على سبيل المثال، صبروا على رئيسهم المنتمي لجماعة الإخوان وحتى استبدلوه بأخر، وصبروا على الأخر وحتى توفاه الله، ثم اختاروا أستاذ الجامعة المتعلم المثقف، والخطيب المفوّه، ولكن .............. لاشئ

لم يحدث أي تغيير يذكر في حياة الناس، ومازال هؤلاء يفضلون إنهاء حياتهم بسبب الفقر وعدم وجود فرص، بل أن بعضهم قد يلجأ إلى تفريغ غضبه وخيبة امله في صورة عملية إرهابية هنا أو هناك.

هل كان يجب أن تتمتع الثورة بقوة مسلحة تواجه بها عنف الأجهزة السيادية؟

ثورة سوريا

على ما يبدو أن ذلك كان أسوأ خيارات الثورة، فلقد تسبب الأمر في انهيار عام شامل للبلاد، ووفاة الملايين وتهجير الباقين، وأضحت البلاد ركام تنعق فيه الغربان.

هل يجب على الثوار نيل تأييد خارجي أو الاستعانة بقوى خارجية؟

ثورتي العراق واليمن

هذا الخيار أيضا أثبت فشلا ذريعا، فالقوى الخارجية لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها، ولا يوجد قوة خارجية يمكن أن تسوق السلاح والجنود لحمل الديمقراطية والحقوق لأصحاب البلد، وإنما دائما ما تهدف إلى تحقيق مصالحها الخاص، ولم ينال أهل البلدين إلا المزيد من الفقر والقهر والقتل.

إذا ما العمل؟

إن نظرة فاحصة على مؤيدي وداعمي النظم المتسلطة تعطيك فكرة واضحة عن هؤلاء، فهم دائما مجموعة من الحثالة المنتفعين الفاقدين لأي موهبة اللهم إلا موهبة النفاق والتملق ولحس الأحذية.

ولذلك بمجرد أن تمنع عنهم ما يصل إليهم من منافع سيبدأون في الصراخ، وينقلبون 180 درجة على سيدهم، كما تجوّع كلبك، والنماذج على ذلك كثيرة وأكثر من الحصر.

ولذلك فإن هذا النوع من الأنظمة يأكل نفسه بنفسه، ولا يمكن أن يصمد طويلا، فهو قائم بأكمله على مساومات، ومصالح فاسدة، ما يجعل كيانهم آيل للإنهيار عند أول هبّة ريح. قد يبدو الحديث سلبيا ولكنه حقيقيا للغاية.

الأحد، 25 أكتوبر 2020

وهم الديمقراطية


 

إن أكثر ما يلفت الأنظار في القرن الواحد العشرين منذ بدايته هو القدرة على صناعة الوهم، فنحن جميعا أصبحنا مشاركين بشكل أو بأخر عن عمد أو عن جهل في صناعة هذا الوهم، فإذا كنت لا تصدقني أكمل قراءة المقال واسأل نفسك أي الأوهام السابقة كنت مؤمنا بها ومصدقا لها على الرغم من وضوح مدى تزييفها.

الديمقراطية

عندما تذكر الديمقراطية يتطلع الناس إلى الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية رسول الديمقراطية والمدافع عنها والمبشر بها في مختلف أنحاء العالم.

ولكن منذ بداية القرن، بدأت الولايات المتحدة في نشر نوع مغشوش وغير قابل للاستخدام ولا لحياة البشر  في الدول التي ساقت إليها الجيوش بدعوى نشر الديمقراطية مثل العراق على سبيل المثال.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فبعد متابعة الانتخابات الأمريكية في عام 2016 بشغف شديد حيث أن الفائز يحدد دائما مدى جنون العالم، وما سيؤول إليه حال الحكومات العربية بوجه خاص، فالرئيس الأمريكي العاقل يفرض الحد الأدنى من الاتزان، والرئيس المخبول يجعل العالم كله في حالة من الفوضى والجنون، وأتضح لي الكثير من الأمور التي كنت غافلة عنها مثل غيري.

ففوز هيلاري كلينتون بأغلبية عديدة لم يعني بأي حال من الأحوال فوزها بالانتخابات وهو ما ينسف فكرة الديمقراطية من أساسها ويجعل من الانتخابات مجرد شو إعلامي لا يقدم ولا يؤخر على الرغم من التضخيم المستمر لهذا العمل المصطنع، والاستعراضات الضخمة والبروباجندا المذهلة المصاحبة له. 

المجمع الانتخابي

فما يهم فعليا هو أصوات المجمع الانتخابي الذين لا يتعدون 538 شخصا فهم من يحددون فعليا الفائز بالانتخابات الأمريكية، وهم أشخاص مثلنا يمكن الضغط على بعضهم أو ابتزازه أو رشوته، فهم في النهاية مجرد بشر، فالأمر لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع الاستعراضات الهوليوودية التي تترافق مع الدعوة للإنتخابات والمؤتمرات والمناظرات والشعارات، لأن الأمر في النهاية يكون رهنا بتصويت هؤلاء الأشخاص وليس مئات الملايين من المواطنين.

والأكثر بؤسا أن لكل ولاية عدد أصوات في المجمع الإنتخابي لا يتناسب مع عدد السكان بها، فيصبح لديك ولايات يرتفع فيها قيمة الصوت عن ولايات أخرى، ما يعني مسمار أخر في نعش الديمقراطية المزعومة.

وعلى الرغم من ذلك نتابع جميعا بلا كلل - وكما نتابع فيلم هوليوودي - ما ستسفر عنه الانتخابات الأمريكية، هل سيظل رئيسها العنصري الهمجي صديق كل فاسد وداعم كل ديكتاتور في العالم، وكاره العلم والعلماء محتلا قمّة العالم؟ أم أن الأمر سيؤول إلى رئيس أكثر عقلانية ليس لديه ديكتاتور مدلل وديكتاتور مفضل، يعترف بالتغير المناخي والعلوم والمعارف، وحقوق البشر "ولو بالقول".؟

فكما أن لأفلام هوليوود تأثيرات بعيدة المدى على الثقافات والمجتمعات المختلفة، يكون للإنتخابات الأمريكية تأثيرات كبيرة وتبعات مريرة على العالم أجمع.

قي المقال القادم سنتحدث عن "وهم الثورة".