الأربعاء، 24 مارس 2021

انتصار الخير .. كذبة يروج لها الأشرار

 



أجدني هذه الأيام أردد قول شاعرنا الرائع أحمد فؤاد نجم: "مناعة أرزاق جلابة أرزاء يا سخامة يا لطامة ياللى اسمك أخلاق".

فعلى ما يبدو أن الشر دائمًأ ينتصر، والتخلي عن الأخلاق والقيم هما وسيلتا الفوز والتقدم في الحياة، وحتى أن قابيل الشرير قتل هابيل الطيب، ولم تدافع عنه السماء أو تحمي حياته وتكافيء تضحياته وما قدمه من أعمال خيرة.

إن أدوات الشر قوية وهو يمتلك كل الإمكانيات والوسائل ولا يقف عند خطوط حمراء، ولذلك لم يسجل التاريخ في أي وقت من الأوقات أن الخير انتصر وعلا، أو أن المظلوم تمكن من التفوق على الظالم، أو أن العدالة عرفت طريقها إلى هذه الأرض المنكوبة بمخلوق هو الأكثر شرا وقدرة على إحداث الضرر والتسبب في خراب واسع لكل ما حوله.

إن شر هذا المخلوق يمكن أن يصيبه هو نفسه ولكنه لا يأبه بذلك فما يعتمل بداخله من شرور هو أقوى من اي تفكير عقلاني أو سليم.

الشر يستخدم أقذر الوسائل في التحكم والهيمنة، بداية من الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، مرورًا باستنفاد الموارد، ونشر الفقر والجهل والكراهية، وصولًا إلى الكذب والتدليس ونشر الفساد وإحداث الوقيعة بين الناس، وهو يستغل أي ورقة من أجل تحقيق أهدافه، ولو كانت هذه الورقة تبدو في صالح الخير، وسرعان ما تظهر نواياه، ويتبين أن هذا الخير لم يكن إلا نوعًا من الابتزاز أو أحد الوسائل التي يحتاجها الشر لتحقيق أهدافه وامتلاك أسباب القوة.

إن الشر لا ينهزم، اللهم إلا بشر أشد منه قوة وأكثر تدميرًا، لذلك تنحدر الأخلاق، وتنتحر المثل العليا في كل يوم، وتبقى حبيسة الكتب، فالشرير لا يحب أن يدرك أحد أن الخير لا يرد حقًا ولا يسمن ولا يغني من جوع، فلو أصبح كل الناس أشرار ولو لم يمتثل الجميع للقوانين ولو لم يتوقف أحد عند خطوط حمراء لأصبح الشر في أزمة حقيقية. لأن قوة الشرير تتمثل في التخلي عن كافة الفضائل. فلو اصبح الجميع كاذبًا حقيرًا قاتلًا سارقًا خائنًا لبارت سلعته. 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       

جمعية كارهو الأحياء والأموات


 

كلما ماتت شخصية عامة، سارع الجميع إلى صب الرحمات أو اللعنات عليها، ودخل مجتمع مواقع التواصل في سجال عنيف ينتهي دائمًا بعمل "بلوكات" متعددة بسبب الخلاف الكبير حول شخص الميت.

والحقيقية أنني قبل انخراطي في هذا المجتمع لم أكن أتصور أن الموت يمكن أن يصنع هذا القدر من الخلاف بين الناس فهذا الميت أيًا كان هو، وأيًا كان ما قام به في حياته قد "مات" وليس هناك ما يمكنك أن تفعله له أكثر من ذلك.

لقد انتهى، تبدد، لم يعد يشعر أو يتألم، لم يعد يهمه ما تقوله عنه، لم يعد يأبه بإرثه، فلقد رحل، وليس بالإمكان تغيير ما فعله، أو إقناعه بتصحيح أخطاءه، أو تعديل أفكاره، أو استمالته، أو حتى عقابه ... لقد مات!

ولقد أحدثت وفاة الدكتورة نوال السعداوي انشقاقًا بالغًا بين شعب السوشيال ميديا، فالمتدينون يصبون عليها اللعنات، ويتوعدونها بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويرجون لها إقامة دائمة في الجحيم، بينما يرفعها بعض أصحاب الفكر الليبرالي إلى مرتبة الأرباب ولا يقبل بمناقشة أفكارها أو نقدها فهي فوق أي نقد. وفي الحالتين لا يحرك الشخص سوى مشاعره، بدون تفكير أو قراءة أو بحث وفهم ونقد موضوعي.

إنه ببساطة التعصب، الذي يخرجك  عن مباديء الليبرالية وعن القيم الدينية دون أن تدري، ذلك التعصب الذي يكون وقوده الكراهية والمحرك الأبرز فيه احتكار الحقيقة المطلقة.

فالله لا يدعو أبدا للكراهية، ولا يحب أن يعذّب مخلوقاته، فإذا كنت ترجو لمن يخالفك الرأي الخلود في غيابات الجحيم فأنت لم تعرف الله حق المعرفة.

لقد كانت دعوة الأنبياء جميعًا مشمولة بالمحبة، فهم يدعون أفراد مجتمعهم إلى اتباع سبيل الله لأنهم يحبونهم ويرجون لهم الخير والسلام وليس الموت والفناء أو العذاب والدمار.

والليبرالية تعني أن تتقبل الرأي الآخر وأن يكون لديك مساحة شاسعة من التسامح وقدرة فائقة على عرض أفكارك، وتسامي على مشاعر العنف والكراهية، وأن تكون على درجة عالية من الوعي والثقافة لتقدم الحجج والبراهين وتناقش وتحاور وتعرض أفكارك.

فهذا ببساطة ما كانت تفعله الدكتورة نوال السعداوي، كانت لديها الجرأة على عرض أفكارها بشجاعة لا يملكها أغلب الناس في الدول العربية، وكانت تخوض معاركها الخاصة والعامة وتدافع عن أفكارها، فإذا لم يكن لديك القدرة على نقد أفكارها أو الدفاع عنها بنفس الطريقة فليس عليك أن تتصدر المشهد والزم الصمت.

فالأفكار هي ما يبقى من الإنسان بعد أن يفنى جسده، أما الحديث عن مواصفاته الجسدية أو كيل السباب والإهانات له فهي أمور لا تدل إلا على مراهقة وانخفاض في درجة الوعي.

تقبل الأفكار أو ارفضها، عارضها أو أمن بها أو اهملها، ولكن لا تنصب نفسك قاض وحكم على البشر، لأنك ستجد منهم المثل، فجميعنا بكل بساطة مجرد بشر نخطيء ونصيب.

الخميس، 25 فبراير 2021

معايير الرجولة والشرف والنخوة في عربستان


 

استحق مقدم البرامج تامر أمين في الأيام الماضية لقب "عدو الشعب رقم 1" دون منازع، فعلى الرغم من أنه لم يتحدث إلا في سياق السياسات المرسومة له، والتي كانت تتجه نحو دعم مشروع الرئيس في تحديد النسل، إلا أنه قد مسّ وترًا حساسًا لدى أهل الجنوب، الذين يعانون من كافة صنوف التهميش والإهمال، كحال الكثير من أبناء هذا الشعب الذي لا يعرف إلا لغة العواطف.

وما لفت نظري في كلمات السادة الرجال من أهل الصعيد أن ردودهم عليه جائت كلها في نفس  السياق وحملت كلها عبارات من قبيل "نحن لا نترك نسائنا تخرج بدون غطاء رأس" أو "بناتنا لسن خادمات" مع كيل السباب للمذيع المذكور وكل من يمت له بصلة.

فلقد تلخصت معاني الرجولة والشهامة والشرف لدى أغلب أبناء الوطن العربي في تغطية النساء، وفرض أوامرهم عليهن، وإلزامهن بالطاعة، فلم تأتي الردود لتناقش أسباب عمالة الأطفال في الصعيد، ولا أسباب الفقر وارتفاع معدلات الأمية، ولا الإهمال الصحي، ولا البطالة وضعف التنمية، ولكن كانت كل  الردود عاطفية ما جعل من تامرأمين مجرد أسفنجة تمتص جزءمن الغضب الشعبي الذي يعتمل في نفوس هؤلاء، وكبش فداء لكل التقصير والإهمال الذي يعانيه أبناء الصعيد.

فكما يقول توفيق الحكيم: "لقد تكونت في العقلية المصرية عاهة أرجو أن لا تكون مستديمة: هي ضمور عضلة التفكير و التحليل وحل محلها عضلة لا تشعر إلا بالحب أو الكره، ولا تري غير لونين "الأبيض والأسود". وبذلك ظهر نتيجة الشعور الواحد الانفعالي بالحب والكره موقف التعصب ثم الإرهاب والعنف. وهنا خطر غياب المناقشة والتفكير والتحليل. وهو ما يقتضي طهور الحرية الحقيقية. وبمعني آخر إرساء قوعد "الديموقراطية الصحيحة" و ليست المفتعلة أو المزيفة أو الناقصة، أو التي تستخدم لأغراض دعائية ومظهرية. الحل هو ديموقراطية حقيقية,،تُطلب لمزاياها وأهمها الآن هو قدرتها علي إبعاد الخطر المنتظر المتمثل في التعصب الأعمي والتجمد الفكري الذي يصاحبه الانفعال المؤدي إلي العنف والإرهاب، ثم النتيجة بعد ذلك هي عودة الديكتاتورية الرجعية."

وليست باقي دول عربستان بأحسن حالًا، وعلى سبيل المثال كنت أتابع برنامج "بكسر  التاء" على قناة الجزيرة، وهو بالمناسبة برنامجًا متميزًا، ولكن في أحدث حلقاته لم أستطيع متابعة الحلقة، فقد شعرت بالغضب الشديد مما سمعت.

لقد كانت الضيفات من الناشطات في المجال السياسي والمجال الحقوقي، ممن تعرّضن للتنكيل والسجن بسبب هذا النشاط المشرّف، ولكنهن بعد عودتهن إلى ديارهن عانين من اضطهاد آخر، فقد نظر إليهن المجتمع على أنهن تعرّضن للاغتصاب أو التحرش، ما أيقظ فيهم الحمية للشرف وحرّض لديهم الرجولة الزائفة التي لا تعرف إلا لوم الضحية، والخضوع للظلم، والتنكيل بأصحاب الحق.

ولا أعلم إلى ماذا يرتكز هؤلاء فحتى الكفر لا يعتد به إذا ما جاء تحت الضغط والإرهاب الجسدي والنفسي، ونبي الإسلام يقول: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه."

ولكن الرجل في عربستان يستضعف النساء فيعاقبهن على وقوعهن ضحايا للظلم والإجرام والإكراه، ولا يدافع عنهن أو يحاول رفع الظلم عنهن.

الرجل في عربستان يقبل أن تنفق عليه وعلى أبناءه زوجته، ولكنه يكره أن يذكّره أحد بذلك أو يتحدث بشأنه. الرجل في عربستان عبد للظالم والفاجر عاجزّا عن رد حقوقه الذاتية - فما بالك باسترداد حقوق الغير - فلا يجد أمامه سوى من هن أضعف منه لتفريغ طاقته المكبوتة من القهر، فهذا وحده هو ما يشعره بالقوة والتحكم، وما يعتمد عليه لإظهار الرجولة والشرف.

إن معاني الرجولة والشرف والشهامة في عربستان مشوشة ومشوهة بدرجة يحتاجون فيها إلى تعليم وتثقيف وتأهيل، وحتى يدركوا أبسط المعاني الإنسانية السوية لهذه الصفات، ويدركون السلوك الحقيقي الذي يتوافق مع هذه الكلمات. فإلى متى يارب هذا القهر!