في مستهل القرن الحالي، بَشّرَنا كهنة التكنولوجيا والوادي السيليكوني بعصر جديد من الانعتاق؛ عصرٌ سينتهي فيه احتكار الحكومات والشركات الكبرى للمعلومة، وتزول فيه وصاية "حراس البوابة" من قنوات فضائية وصحف موجهة. قيل لنا إن هذه الشبكات الافتراضية ستكون "ملاذاً للبشر من الرقابة"، وستمنح "صوتاً لمن لا صوت له"، وتتحول إلى أكبر ساحة التقاء معرفي وإنساني في التاريخ.
والحقيقة، أننا ابتلعنا الطُّعم بالكامل. فتحمسنا، وكتبنا، وظننا أننا نغير العالم بنقرات على لوحات المفاتيح. ولكن، بعد مرور سنوات من التجربة الصادمة، استفقنا على حقيقة مرعبة: إن هذا الملاذ المزعوم لم يكن إلا فخاً، وتحول الفضاء الحر إلى سجن قاحل ليس فيه إلا الصدى ورجع الصدى.
غرف الصدى والوعي المعلّب
إن الخديعة الأولى لهذا "الإعلام البديل" تكمن في آلية عمله الصامتة: الخوارزميات ($Algorithms$). هذه الآليات الذكية لم تُصمم لتوسيع مداركك أو تعريفك بالرأي الآخر، بل صُممت لتبقيك "مستهلكاً" داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وكيف يحدث ذلك؟ عبر تغذيتك بما يعجبك فقط، وحجب ما يزعجك.
بمرور الوقت، يجد الإنسان نفسه داخل شرنقة فكرية مغلقة (غرف الصدى الصوتي). يرى فقط من يوافقه الرأي، ويقرأ فقط لمن يشبهه، فيتولد لديه وهمٌ مرضي بأن رأيه هو رأي "العالم أجمع"، وأن أفكاره هي الحقيقة المطلقة. هذا النظام لا يصنع وعياً حراً، بل يصنع أفراداً معلبين فكرياً، عاجزين عن تقبل أي اختلاف.
حلبة المصارعة خلف الشاشات
أما الخديعة الثانية، فهي وهم "التقاء البشر". لقد ادعوا أنها منصات للتواصل والتقريب بين الشعوب والفرقاء، لكن الواقع أثبت أنها منصات لـ "مأسسة الكراهية".
فإذا ما التقى الفرقاء على صفحة ما، لا يحدث حوار ولا نقاش، بل يتبادلون كل صنوف الاتهامات والتخوين والابتذال. يتحول المشهد إلى مجزرة لفظية كادوا فيها أن يفتكوا ببعضهم البعض، لولا أنهم خلف الشاشات.
إن "المسافة الرقمية" والأقنعة المستعارة نزعت عن الإنسان الحد الأدنى من التحضر والمسؤولية الأخلاقية، فأصبح الغضب والشتيمة هما العملة الرسمية الأكثر رواجاً، لأن الخوارزميات تكافئ "الضجيج والصراع" بالانتشار (الترند)، بينما تدفن العقل والصمت الحكيم في غياهب النسيان.
الشاعر والمدّعي: تزييف الواقع
في الماضي، كان الوصول إلى المنبر يتطلب موهبة حقيقية، أو جهداً معرفياً مضنياً، أو ثقلاً ثقافياً. اليوم، أتاحت هذه المنصات للجميع رصّ كلمات ساذجة ومبتذلة، بل يخطئون حتى في تهجئة أسمائهم، ثم يصفون أنفسهم بـ "الشعراء" والمفكرين والمحللين.
لقد تساوى الجاهل مع العالم، وصاحب الصراخ مع صاحب الحجة. وتحول "الإعلام المستقل" إلى مرتع للـ "رواج البائس" والمحتوى الهابط، حيث يُقاس الحق بعدد "الإعجابات" و"المشاركات" لا بقيمة الفكرة ورصانتها.
لقد تصورت الشعوب أنها تمارس حريتها، بينما هي تُساق كالقطعان في معارك وهمية لا طائل منها، تُستنزف فيها طاقاتهم النفسية والعقلية لتباع في النهاية كـ "بيانات مستهدفة" للشركات الإعلانية.
إن الإعلام البديل لم يحطم القيود، بل جعل السلاسل غير مرئية؛ لقد منحنا سجناً واسعاً وأقنعنا أنه "الحرية".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق