الثلاثاء، 2 يونيو 2026

وهم المجتمع الدولي والمنظمات الأممية




إذا كان "وهم الإعلام البديل" قد نجح في حبس الأفراد داخل غرف صدى ضيقة، فإن هناك وهماً أكبر وأقدم طالما حُبست بداخلة شعوب وأمم بأكملها؛ إنه وهم "المجتمع الدولي"، وشرعيته المتمثلة في هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومحاكم العدل والجنايات الدولية، وحزمة المواثيق البراقة لحقوق الإنسان.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والمنظومة الغربية تُربي الإنسان المعاصر على سردية طوباوية مفادها: أن العالم قد نضج، وأنه أسس مظلة أخلاقية وقانونية تحمي الضعيف من بطش القوي، وتضبط جنون الأقوياء، وتضمن كبح جماح الحروب عبر "قانون دولي" يسري على الجميع دون تمييز.

ولكن، عند أول اختبار حقيقي تتماس فيه هذه القوانين مع مصالح القوى العظمى، تسقط ورقة التوت، ويتضح أن هذا "المجتمع الدولي" ليس سوى شركة مساهمة مغلقة، تُديرها القوى المنتصرة في حرب جرت أحداثها في القرن الماضي.

ميزان القوة العارية.. لا القانون

إن الخديعة الكبرى تبدأ من هيكلة هذه المنظمات نفسها؛ فما قيمة "الجمعية العامة للأمم المتحدة" التي تضم مئات الدول وتصوت بالأغلبية لصالح الحقوق الإنسانية البسيطة، إذا كان مصير هذه القرارات بأكملها رهناً بإشارة إصبع واحدة من خمس دول تملك حق "الفيتو" (Veto) في مجلس الأمن؟

هذا النظام لم يُصمم لإقرار العدالة، بل صُمم كـ "أداة لإدارة الصراع بين الكبار على حساب الصغار". القانون الدولي في هذا السياق لا يعمل كدرع لحماية الضحايا، بل كـ "سيف" مصلت يتم استدعاؤه بانتقائية فجة؛ يُطبق بحزم عسكري واقتصادي صارم عندما تقتضي مصالح القوى الكبرى تأديب دولة مارقة أو حصار نظام معاند، ويتحول فجأة إلى حبر على ورق، وتوصيات باهتة، وإعراب عن "القلق العميق" عندما يكون الجاني هو "الديكتاتور المفضل" أو الحليف الاستراتيجي لأباطرة النظام العالمي.

محاكم بلا مخالب.. وسراب العدالة

أما المحاكم الدولية، التي يتطلع إليها المستضعفون بكثير من الأمل واللوعة، فقد أثبتت التجربة التاريخية أنها محاكم بلا مخالب حقيقية ما لم تدعمها إرادة القوى العظمى. يقضي الضحايا سنوات من أعمارهم في صياغة الدعاوى وجمع الأدلة، لينتهي الأمر بقرارات استشارية أو أحكام تعجز آليات الأمم المتحدة عن تنفيذها على أرض الواقع.

هذا السيناريو المتكرر لا يخدم العدالة، بل يمنح الضحايا "سراباً" وأملاً زائفاً يشغلهم عن امتلاك أوراق القوة الحقيقية على الأرض. إنه يفرغ الغضب الشعبي والأممي في ممرات المحاكم وجلسات الاستماع الصاخبة، بينما تستمر المأساة على الأرض وتُفرض الحقائق بقوة السلاح وفرض الأمر الواقع.

مأسسة النفاق العالمي

إن خطورة هذا الوهم لا تكمن فقط في عجزه عن نصرة المظلومين، بل في قدرته على "مأسسة النفاق". تصبح هذه المنظمات بمثابة الواجهة الأخلاقية التي تغسل بها الدول الاستعمارية والأنظمة المتسلطة جرائمها؛ يشاركون في قمم المناخ وهم أكبر ملوثي الأرض، ويتحدثون عن حقوق الطفل وهم يمولون آلات القتل، ويتباكون على الديمقراطية بعد أن دمروا الأخضر واليابس في دول ساقوا إليها جيوشهم بدعاوى واهية.

تماماً كما هو الحال في "استعراضات هوليوود الانتخابية" و"ضجيج منصات التواصل"، تحولت المنظمات الدولية إلى مسرح ضخم تؤدى فيه أدوار مكتوبة بعناية، حيث البكائيات والخطابات المفوهة هي العرض الرئيسي، بينما في الكواليس تُبرم الصفقات، وتُقسّم كعكة المصالح والنفوذ بدم بارد.

لقد آن الأوان للشعوب أن تدرك أن "المجتمع الدولي" هو كائن هلامي لا وجود له عندما تنبش المخالب عن اللحم الحي، وأن الرهان على المؤسسات الأممية لإنقاذ الإنسان هو امتداد لنفس صناعة الوهم التي تجعل الضحية تنتظر الإنصاف من قاضٍ يشارك الجلاد في نفس المائدة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق