الثلاثاء، 2 يونيو 2026

وهم الخلاص التكنولوجي والذكاء الاصطناعي


 

بعد أن تهاوت الأوهام السياسية والإعلامية والأممية واحدًا تلو الآخر، وفقد الإنسان المعاصر إيمانه بالمؤسسات التقليدية، طُبِخ لنا في دهاليز "الوادي السيليكوني" مخدر جديد، صُمم ليكون أكثر ذكاءً وجاذبية؛ إنه وهم "الخلاص التكنولوجي" (Technological \ Salvation).

يُبشرنا أباطرة التكنولوجيا اليوم بأن الوعي البشري قد وصل إلى ذروته بابتكار "الذكاء الاصطناعي". والرسالة المبطنة التي تُساق إلينا عبر البروباجندا الرقمية اللامعة هي: "ما عجزت عنه السياسة والأديان والمجتمعات، ستحله الآلة النظيفة؛ فالذكاء الاصطناعي سيقضي على المجاعات، ويشخص أعقد الأمراض، ويدير موارد الكوكب بعدالة مطلقة بعيداً عن تحيزات البشر وفساد الحكام".

ولكن، خلف هذه الهالة الرومانسية لـ "الآلة المنقذة"، يختبئ تشويه بنيوي أشد خطورة؛ فالذكاء الاصطناعي ليس كائناً هلامياً خيِّراً هبط علينا من السماء، بل هو مجرد مرآة رقمية مصقولة لمن يملكها ويغذيها.

مأسسة الانحياز ومركزة السلطة

الخديعة الأولى تبدأ من طبيعة صناعة هذه الآلات ذاتها. فالذكاء الاصطناعي يُغذى بـ "بيانات" (Data) أنتجها البشر بكل ما يحملونه من تحيزات عنصرية، وصراعات جيوسياسية، وتفاوتات طبقية. النتيجة ليست "آلة محايدة"، بل آلة تقوم بـ "مأسسة الانحياز" وتغليفه بطابع علمي رياضي لا يقبل المراجعة.

والأخطر من ذلك، أن هذه التكنولوجيا تحولت إلى أداة هائلة لـ "مركزة القوة والثروة" في يد حفنة ضئيلة من الشركات الاحتكارية عابرة القارات. هؤلاء الأباطرة الجدد يملكون الآن القدرة على التحكم في تدفق المعلومات، وتوجيه الوعي الجمعي، واختراق أدق تفاصيل الحياة الخاصة للبشر؛ تحول الإنسان معها من "مواطن" له حقوق، إلى مجرد "بيانات مستباحة" تُباع وتُشترى في أسواق الإعلانات وسلوكيات المستهلكين.

الأتمتة وتجريف الوعي

تُباع التكنولوجيا لنا تحت شعار "تسهيل الحياة"، لكنها في واقع الأمر تمارس عملية تجريف ممنهجة للوعي والقدرات البشرية. فبدعوى الأتمتة المريحة، يتم القضاء تدريجياً على الطبقات الوسطى والوظائف الإبداعية والتحليلية، مما يعمق الفجوة بين طبقة فائقة الثراء تملك الخوارزميات، ومليارات البشر المسحوقين الذين تحولوا إلى مستهلكين سلبيين.

لم تعد المشكلة في "غباء الآلة"، بل في "تسطيح الإنسان". المنصات والآلات الذكية لا تهدف إلى تنوير الوعي البشري، بل إلى إبقائه في حالة تخدير مستمر، محاصراً بـ "محاكاة افتراضية" للواقع (كما ظهر في نظارات الواقع الافتراضي في الكاريكاتير)، لينفصل الفرد عن معارك واقعه الحقيقي وصراعه ضد القهر والفقر، ظناً منه أنه يحقق التطور بمجرد كونه جزءاً من هذا الفضاء الرقمي البراق.

أخلاقيات الآلة.. مسرحية جديدة

وكما يُصدر مجلس الأمن قرارات "القلق العميق"، أسس أباطرة التكنولوجيا ما يسمى بـ "مجالس أخلاقيات الذكاء الاصطناعي" (AI \ Ethics). وهي ليست سوى مسرحية أخرى لـ "غسيل السمعة"؛ حيث توضع مواثيق برّاقة خلف واجهات الشركات، بينما في العمق تستمر الآلات في مراقبة الضحايا، وتحليل سلوكيات الجماهير، وتغذية خوارزميات الغضب والترند لتحقيق أعلى معدلات الأرباح.

إن الرهان على التكنولوجيا كـ "مخلص" للبشرية هو قمة الاستسلام لصناعة الوهم؛ فالآلة التي صُنعت لتربح، لن تلتفت يوماً لدموع الغارقين في الأزمات. وتظل الحقيقة العارية التي ترفض الشاشات اللامعة إظهارها: أن الخلاص لا يكمن في تطوير الروابط اللاسلكية والذكاء السيليكوني، بل في استعادة الإنسان لوعيه الفطري، ورفضه لـ "اليوتوبيا الزائفة" التي تُعرض عليه كبديل عن العدالة والحرية الحقيقية على أرض الواقع.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق